- 24 حزيران 2012
- أقلام مقدسية
* د. راسم خمايسي
يشكل التخطيط الحضري ميدانا مهما في صياغة وإنتاج الحيز الحضري والقروي. وطالما نظر إلى التخطيط الحضري على المستويات المختلفة القطرية، الإقليمية والمحلية على انه وسيلة لإعداد المخططات وإنتاج الخرائط التي تشكل أساس لإصدار رخص بناء، شق طرق وتخصيص أراضي للمرافق العامة. هذه النظرة الجزئية والمخطوئة للتخطيط, لا بد من تقويمها لأجل الاستفادة من الفكر التخطيطي وما ينتج عنه من ثقافة، سلوك، ممارسة وانجاز لأجل إخراج مدينة القدس بشكل خاص وسائر المدن والقرى الفلسطينية بشكل عام من الحالة المرضية والطفولية التي تعاني منها. هذه الحالة التي نشأت نتيجة لعوامل خارجية متعلقة بقوى استعمارية احتلالية وهيمنة اقصائية بالأساس, و\أو نتيجة لعوامل داخلية متعلقة بقوى اجتماعية محافظة انتهازية. في بعض الحالات يصل الحد لدى بعض انفراد المجتمع الفلسطيني إلى استخدام العوامل الخارجية المفروضة كحجة أو فزاعة تخوف بها من التغيير والمواجهة, وشماعة تعلق عليها فشل داخلي يحول دون التغيير.
نسعى في هذا المقال طرح موجز لمفهوم التخطيط الحضري كثقافة متحدية ومقاومة للاحتلال على أنواعه وبديلة للتخطيط التقليدي المعمول به حسب النموذج "العقلاني" المسيطر, الذي يركز على النواحي الفيزيائية لتنظيم استخدام الأراضي، ويطرح صورة ساكنة مستقبلية لواقع تخصيص الأراضي مقترح, دون التدخل في طرح أدوات وآليات ثقافية، مجتمعية واقتصادية وقانونية لكيفية الوصول إلى هذه الصورة أو التصور المرغوب. هذه العملية التى تنتج مخططات هيكلية استخدامات الأراضي الساكنة مستقبلا والذي يشمل عملية مقلصة في صنع المخططات, نقترح استبدالها بعملية تخطيط حراكية تستخدم التخطيط كجزء من عملية تغيير مجتمعي توفر وتؤمن حق المواطن الفلسطيني في المدينة, وتكون لديه القدرة على امتلاك الحيز العام، إدارته وإنتاجه لما هو صالحه ومنفعته.
إن النهج المتعارف عليه في إنتاج المخططات يعتمد على انه المخطط هو أداة بيد السلطة المركزية والبلدية, تحدد أهدافه ومضامينه من قبلهم, وكليهما المسئولتين عن تصديقه وانجازه، أي أنها تخطط للمجتمع دون مشاركة هذا المجتمع المستهلك والمحتاج لهذا المخطط والتخطيط. بدل هذا النهج المهيمن في التخطيط فان هناك حاجة ماسة لمشاركة فاعلة وفعالة للمجتمع في التخطيط وان يكون التخطيط مع المجتمع المحلي وليس له حسب ما هو متعارف عليه حاليا. إن مبادئ التخطيط البديل المتحدي والمقاوم الذي نقترحه يعتمد على تغيير ثقافي وسلوكي وجزء من مركباته, هي خلاصة ونتيجة ممارسة طويلة في عملية التخطيط خاصة لدى المجتمع العربي الفلسطيني في مواقعه المختلفة داخل الوطن, نوجزها فيما يلي: 1) التخطيط هو عملية ذهنية فكرية تترجم إلى أدوات وأجهزة تسعى إلى رسم صورة المستقبل وترجمة التصورات المرغوبة إلى أهداف عينية وخطة عمل لانجازها. وهذا يعني أن الشخص المخطط أو المجتمع المخطط له يجب أن يعي أن المجتمع المخطط له سوف ينمو ويتطور وتتوفر لديه حالة الاستقرار والطمأنينة، إذ كيف يمكن أن نخطط لمجتمع وجوده مهدد. صحيح أن حالة الصراع القومي والوطني تؤدي إلى استخدام التخطيط الحضري والقطري كأداة وجزء من مصفوفة السيطرة التي تسعى إلى خلق ضبط حيزي وتقليل فرص التنمية والنمو الفلسطيني. هذا الواقع يتطلب منا, كمخططين وفلسطينيين فهم مبتغاه التخطيط الإسرائيلي المهيمن وكيفية استخدامه لأجل تحديه ومواجهته. وان مواجهته لا تتم فقط بشتمه ووصفه؛ بل بطرح بدائل تتحداه وتقاومه. هذه البدائل تعتمد على منظومة أخلاقية قيمية تسعى إلى تحقيق العدل والإنصاف ومواجهة الظلم وتوفير الحياة الكريمة المحترمة للإنسان المقدسي آخذة بعين الاعتبار التنوع في التوجهات والاحتياجات، ولكن دون أن يكون هذا التنوع أساس لحرمان فرد أو مجموعة مجتمعية من حقوقها الأساسية في الحياة الكريمة. وان التخطيط الحضري الذي يعتمد على هذه المنظومة الأخلاقية والقيميه التي تسعى إلى توفير العدل، لا يمكن انجازها فقط بالفرض القسري, بل بالمشاركة وتطوير مفهوم تسوية الاختلافات بالحوار والمنفعة. إن المتتبع والفاحص للتخطيط الحضري الإسرائيلي في القدس خاصة يجد انه مغاير ومخالف لهذه القيم؛ ولذلك لا بد من مواجهته وتحديه بواسطة تخطيط بديل.
2) المشاركة المجتمعية ليست عملية ميكانيكية تقنية، بل هي نتاج فكر، سلوك وثقافة. المشاركة هي مسؤولية وواجب, وتنمية القدرة على المشاركة في اتخاذ القرار وتحمل تبعاته. المشاركة لا تعني منح شرعية وإقرار ما يفرض وهي مقتصرة على حدث إعداد مخطط هيكلي؛ بل هي عملية مستمرة من خلالها يستطيع الفرد والمجتمع تأمين حقه الأساسي في صياغة حيزه وامتلاكه وإعداد مخططات له وانجازها. ان إعداد مخطط هيكلي حضري أو قروي بدون مشاركة مجتمعية واعية وفعالة يقلل من انتماء المجتمع لهذا المخطط ويواجه معارضته, ولا يساهم هذا المخطط في تنمية المجتمع. لذلك فإننا ندعو المجتمع إلى المشاركة في إعداد مخططات هيكلية وتنموية لحيه ومدينته أو لقريته وتبني هذا المخطط وإقراره من قبله والتوافق على انجازه حتى ولو أن هذا المخطط لم يقر رسميا من قبل مؤسسات تخطيطية, او ان لا يروق لها هذا النهج التخطيطي الذي يقلب الواقع. بدل التخطيط المفروض من فوق من قبل السلطة المركزية والبلدية, بدون مشاركة مجتمعية حقه، يتوفر تخطيط بالمشاركة المجتمعية من تحت ويفرض على مؤسسات التخطيط وحتى يمكن استخدام هذا التخطيط للتقاضي أمام المحاكم إذا اقتضى الأمر. التخطيط المبادر والمقر من قبل المجتمع, يتم تحديد وإقرار حدوده ومضامينه من قبل المجتمع المحلي, ولا يستطيع أي جسم منع إعداد هذا المخطط. لا شك بان إعداد تخطيط بالمشاركة المجتمعية ومن تحت يعتبر تحدي ليس فقط للمؤسسة الحاكمة، بل للمجتمع التقليدي الذي يعاني من شرذمة وتشوه مجتمعي, والذي ربما يوجد احد من بين إفراده من هم معارضين وغير مستفيدين أو مستعدين لدفع ثمن المشاركة في إنتاج الحيز العام والذي يشمل المرافق العامة. نحن نعي صعوبة التخطيط بالمشاركة في مجتمعنا. خاصة مجتمع عانى وما زال يعاني من سلطة احتلال وسياسة السيطرة والتبعية والتفريق والتفرد بالأشخاص. لذلك فان قبول غالبية المجتمع المخطط, سوف يشكل أداة ضغط على أولئك الأفراد الذين ربما لا يروق لهم إقرار مجتمعي للمخطط.
3) إن ثقافة التخطيط المقترحة تتوافق وهي جزء من ثقافة المبادرة وليس ردة الفعل. وان اقتراحنا لانجاز تخطيط بديل متحدي ومقاوم؛ يسعى إلى خلق ثقافة المبادرة في مجتمعنا, لرسم صورة مستقبلنا، وتجاوز حالة رد الفعل والبقاء عند النقد اللفظي والكلامي للمخططات التي توضع لنا. يجب أن نعي أن المبادرة هي سمات مجتمع قوي أو يسعى إلى تعزيز مقوماته. لذلك فان المبادرة هي جزء من ثقافة تستطيع أن تطور وتستحدث أدوات وآليات ملبية لاحتياجاته، ولا تقبل فقط بالنقل والتبني، بل تسعى إلى الاجتهاد والإبداع، وهي جزء من عملية تحدي ومقاومة داخلية وخارجية، يمكن أن تجد لها تعبيرا واضحا في عملية التخطيط الحضري.
4) تطوير وتمكين التنظيم المجتمعي، بدل الشرذمة والفردانية؛ إن المشاركة المجتمعية سوف تنمي ثقافة التنظيم المجتمعي والذي يشكل أساس لتطوير مؤسسات تدير هذا المجتمع. داخل المجتمع يوجد قوى تقليدية رجعية، وأخرى انتهازية. هذه القوى تم استغلالها لشرذمة المجتمع؛ هذه الشرذمة أدت حتى إلى اغتيال القدرة, ويمكن أن نقول حتى الرغبة لدى المجتمع أن ينظم نفسه. وكل من يسعى, من أفراد أو مؤسسات, إلى تنظيم المجتمع وتعزيز قدراته يواجه بمعارضة ويتعرض لمساءلات واتهامات وحتى إلى اعتقالات؛ لذلك فان إعداد مخططات حضرية بموجب المنهجية المرشحة البديلة والتي تعتمد مفهوم التخطيط كثقافة متحدية ومقاومة سوف يساهم في تمكين تنظيم مجتمعي، يعتمد مبدأ التوافق وليس الإنكار، التفكير بالفرص وليس فقط بسرد المشاكل والوقوف على وتمام المعيقات.
5) الخروج من الحيز الخاص إلى المسؤولية على الحيز العام؛ مارست سلطات الاحتلال عملية ممنهجة لإقصاء المواطنين الفلسطينيين بما في ذلك المقدسيين من امتلاك، إدارة وإنتاج الحيز العام. هذا الإقصاء دفع إلى نشوء وتقوية الثقافة التقليدية المحلية والعشائرية التي تحاول حفظ الحيز الخاص والتركيز عليه. رغم أن المواطنين الفلسطينيين المقدسيين هم بحاجة ماسة إلى استخدام الحيز العام؛ والذي يؤثر بشكل مباشر على الحيز الخاص. عملية التخطيط التي عمل بها حتى الآن هدفت إلى ضبط البناء والتوسع الحضري وتقليل الحيز العام في الأحياء العربية الفلسطينية في القدس. وان الحيز العام الموجود في المخططات والواقع محدود جدا مما يساهم كثيرا في خلق الحالة المرضية والطفولية لمجتمعنا الفلسطيني المقدسي؛ هذا الواقع يجب تغييره. بدله نسعى إلى تبنى التخطيط البديل المتحدي والمقاوم والذي يهدف إلى زيادة الانتماء للحيز العام وتطويره. هذا الحيز لا يشمل فقط استخدامات الأراضي الموجودة داخل الحيز، بل يتجاوزه إلى تطوير حيز عام مديني يؤمن الحق العربي الفلسطيني في المدينة. هذا الحيز يشمل المرافق العامة التي تربط الأحياء لتطوير نسيج حضري متكامل وليس أحياء مشرذمة مقطعة؛ كذلك توفير مرافق عامة مدينية كملاعب جنائن، مدارس، متاحف ومراكز قطرية. إن وضع هذه المرافق كمطلب وحاجة ملحة يجب انجازها هي جزء من عملية ثقافة تخطيط مختلفة ترى في المدينة مكون حي يوجد له كينونة لا بد من تطوير سيرورات لأجل صيرورته وانجازه, وهذا يتم بتبني مفاهيم الانتماء للحيز العام بالإضافة إلى الحيز الخاص, وليس حساب الواحد على الآخر, بل تأمين التوازن والتكامل فيما بينهما.
تلك جزء من مكونات التخطيط البديل المتحدي المقاوم الذي نعمل بة ونطالب بتعميمه. والذي نسعى إلى الخروج به عن الواقع الحالي, ونغرد به خارج السرب, مخالفين ومعدلين, فكرا وممارسة, النهج التخطيطي المعمول به الذي يعد بموجب نموذج مفروض من فوق لا بد من تحديه. نحن نعي أن انجاز مركبات التخطيط البديل المرشح من قبلنا والذي لا يقف عند الحديث اللفظي؛ بل يحدد أهداف ويطور أدوات ويرسم عملية مختلفة يسعى لانجازها بالمشاركة. وان انجاز مفاهيم التخطيط المرشح تعتمد على انجاز مشروع توعية تثقيفي. لأننا نؤمن بان التخطيط هو عملية تغيير مجتمعي شمولي يشمل مكونات المجتمع. وان المبدأ في هذا الشأن قوله تعالي :" لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". أي أن تطوير وتذويت إرادة التغيير يتم من خلال الالتقاء المباشر مع ذوي الشأن. كما أن انجاز مفاهيم التخطيط المذكورة يواجه بتحدي في واقع ما زال الاحتلال الإسرائيلي جاثم على القدس الشرقية. وان أهدافه مناقضة ومتعارضة مع الأهداف الفلسطينية ومنظومته الأخلاقية والقيمية. وفي هذا السياق يوجد تحد خاص؛ فان هناك من يدعي بان عملية التخطيط لا يمكن انجازها إلا بعد انتهاء الاحتلال؛ وان إعداد المخططات في واقع الاحتلال ربما سوف يؤدي إلى قبول وحتى ربما شرعنة هذا الاحتلال وتطبيع التعامل معه. نحن نعي هذا الادعاء, ولكن نخالفة. والغريب أن أصحاب هذا الادعاء يدفعون مستحقات الضرائب وكل مستلزمات المواطنة لإسرائيل ولبلدية القدس, حتى الضرائب البلدية والتي من المفروض أن يتلقوا خدمات مقابلها، أما أن يأخذوا حقوقهم في الواقع المفروض والمرفوض فانه غير مستحب. نحن نعي الواقع المتناقض الذي نعيش به. ومع ذلك فإننا ندعي أن تطوير ثقافة تخطيط بديل مقاوم، ليس هدفها منح شرعية وقبول أو تطبيع الواقع؛ بل هدفها إلى مواجهته وتحويله لتأمين الحق العربي الفلسطيني في المدينة، والاستعداد إلى مرحلة ما بعد إنهاء الاحتلال؛ وحتى قدوم هذه الفترة فلا بد من الاستعداد وبناء المجتمع وتطوير مخططات تستجيب لاحتياجاته وتأمين ربطة، وتسعى إلى استدامة تنميته ونموه باستخدام المساحة الممكنة من الواقع الحالي المتناقض ليس إقرارا له بل لتوفير الحياة الكريمة للمقدسيين وتأمين حقهم في المدينة, وان التخطيط الحضري البديل المتحدي المقاوم والمنسجم مع احتياجات, متطلبات وطموحات المقدسيين الحياتية هو أمر ملح لا بد من انجازه.
* مخطط مدن ومحاضر في جامعة حيفا ومدير مشارك لمركز التعاون والسلام الدولي، القدس الشريف.

