• 2 كانون الثاني 2021
  • أقلام مقدسية

بقلم : القاضي المقدسي فواز ابراهيم نزار عطية

 

استهل هذه المقالة باستقبال العام الجديد، بما روي في الاثر:"هنأكم الله بخيره وجعله عام بركة وسلام خاليا من الأسقام والآفات ورزقنا الله جلّ علاه واياكم حُسن العمل لما فيه صلاح العباد والبلاد".

نعم القدس تستحق أكثر من أن نكتب مقال هنا وهناك، فأُشبعت المقالات وصفا ومدحا وشرحا وتغزّلا  بأعداد لا تعد ولا تحصى، كما كُتب عن اهلها من مديح وثناء لا يوفي حقهم ساعة رباط في ازقتها وشوارعها، في زمن لم يحتمل الرجال القهر والفقر، في زمن مات رجال من امتنا العربية كمدا وقهرا، في زمن شاهدنا ابشع القتل والترويع والسبي لنساء واطفال وشيوخ امتنا على أيد بعض الحكام والمتنفذين من بني جلدتهم.

لم تكن تلك الاحداث بمعزل عن الاحداث التي وقعت في القدس منذ عقود، والحق الحق اقول أن الاحداث التي مرت على القدس واهلها منذ عام 1948، لم تكن بقدر بشاعة وظلم بعض حكام العرب لرعيتهم، وهذا الحديث لا يعني أن الاحتلال بريء من التنكيل والقتل والتهجير والاعتقال التعسفي، لكن ظلم ذوي القربى اشد بطشا ومرارة على النفس من ظلم الاحتلال الغريب الذي لا تربطه أية رابطة مع الشعب المُحتل.

 ورغم ذلك شاء الله العلي القدير، أن يربط على افئدة رجال من أهل القدس بكرامات الحفاظ على الشرف والنخوة العربية إلى يوم يبعثون، فالثناء والمديح على صمود أهل القدس يجب أن يكون بالفعل لا بالقول، أهل القدس اليوم كالجندي القابع على ثغور الوطن بشموخ في عرينه "الساتر والساهر على حمى الحدود"، فرباط رجال من اهل القدس في مختلف الميادين، للحفاظ على كل حجر وعلى كل ذرة من ذرات ترابها كل في موقعه، مضحين بالنفيس والغالي بالنيابة عن الامة، يستقبلون جميع اوجه المعاناة وعذابات القبض على جمر الحق، يستحقون مرجعية واحدة لتدير دفة الصراع، لا لمرجعيات مختلفة تساعد على التشرذم والتفكك.

نعم آن الاوان لتوحيد مرجعية القدس ضمن ضوابط ومعايير مهنية قانونية، فالمدينة المقدسة هي عاصمة دولة فلسطين العتيدة، لأن الجسم السليم يحتاج إلى قلب سليم، ويحتاج لعقل سليم الذي هو اساس المشروع الوطني، من هذا المنطلق يجب اختيار قيادة صالحة ترتكن للعلم والفهم والمعرفة من اهل الاختصاص، فلا اقلام صفراء ولا مصفقين مطبلين لهم، ولا مرجعيات مشبوهة، ولا للجُهّال موطئ قدم في المواقع الحساسة، آن الاوان لمحاسبة النفس واختيار الزمرة الصالحة التي تتميز بالعلم والمعرفة، آن الاوان لتغيير منهج الفكر وعدم الارتكان لتوصيات تهدف للتخريب لا للتعمير.

إن مدينتنا المقدسة تستحق الافضل، فهي أكبر من المحاصصة القائمة على القبلية الجاهلية الفئوية الحزبية، شرفاء المدينة وعمدائها لا ينتظرون المدح والثناء، إنهم يحتاجون لمناصرتهم بالحق بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

منذ عقدين ونصف بل ويزيد ونحن ننتظر ونترقب، آن وقت الجد والعمل بكل امانة واخلاص من أولي الامر اصحاب القرار، بأن يتخذوا نهجا مغايرا بما يضمن ويعزز من صمود أهل القدس بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، واقولها بصدق وجرأة إن الدفاع عن القدس ليس بمنة ولا صدقة، ولا يحتاج الشريف العفيف المقابل، الامر الذي نقدر ونشجع ونستقبل برحابة صدر جهد كل مدافع صابر محتسب في الدفاع عن القدس، لكن لا يقبل المنطق والعقل السوي أن يسود الجاهل العالم.

إن عيون القدس ترتحل للعام الجديد بعيون ثاقبة، مناشدة اصحاب الضمير من أولي الامر، بأن تكون القدس محطة اهتمام شديد ودقيق، وبأن تتم المحاسبة لكل من فرط أو تساهل أو أهدر ولو بجزء بسيط من مقدرات القدس، ضمن ضوابط العدل والانصاف، لأن الايام القادمة أشد بئسا وضراوة على القدس واهلها، في ظل تسابق بعض اشقاء العروبة بالتطبيع مع الكيان المحتل لنيل رضا العم سام.

اخيرا القدس تستصرخ الافئدة النقية الشريفة، لأن حقها علينا أكثر مما عليها. 

وكل عام والقدس بألف خير...