• 21 كانون الثاني 2021
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : احمد عبده طرابيك *

               

 

 اهتمت الدولة العثمانية بإقامة روابط قوية بين الآستانة العاصمة المركزية للإمبراطورية العثمانية والمدن المقدسة الثلاث "مكة المكرمة، المدينة المنورة، القدس"، وذلك لتيسير عمليات الزيارة وأداء المناسك، ليس لسكان الآستانة وحسب، بل لكافة السكان في مختلف أرجاء الإمبراطورية المترامية الأطراف، ولذلك فقد أنشأت خط سكك حديد الحجاز، ومنه كان تفرع خط سكك حديد القدس الذي تم تشييده بين القدس ويافا بتمويل بتمويل من شركة السكك الحديدية العثمانية، حيث كان أول خط سكك حديد يتم إنشاؤه في الأراضي الفلسطينية، ومن أوائل خطوط سكك الحديد في الشرق الأوسط.     

  تم البدء في بدأت إنشاء خط سكك حديد القدس في 31 مارس 1890، وتم انتهاء العمل به عام 1892، حيث تم افتتاحة في 26 سبتمبر من نفس العام، كان قياس السكة يتسم بالضيق نوعاً ما، فقد تم تشييده على قياسي متر واحد، مع وجود العديد من المنحنيات الضيقة والإنحدارات، كما كان الجزء الشرقي من الخط بين دير آبان "بيت شمس" والقدس يتسم بالمسارات الحادة والمتعرجة، وخلال الحرب العالمية الأولي، وفي عام 1915، قام الجيش العثماني بعمل علي توسعة قياس المسار بين اللد والقدس بنحو 5 سنتيميترات حتي يتلح ربطه مع سكة حديد الحجاز، ومن ثم إزالة المسار المخصص للإستخدامات العسكرية بين المدينتين، ونقله إلى مكان آخر.    

 أما خط سكك حديد مرج بن عامر الذي كان يعتبر جزءاً من سكة حديد الحجاز بين حيفا ومدينة درعا في الجنوب السوري فقد بدأ تشييده في حيفا عام 1902، وتم الإنتهاء منه في درعا عام 1905، بنفس مقاس خط سكك حديد الحجاز الرئيسي، وفي عام 1908، تم إنشاء فرع من العفولة إلي القدس مروراً بمدينتي جنين ونابلس.      

 شكلت المنظمات الصهيونية شبه العسكرية تحالفاً عام 1945، باسم "حركة المقاومة اليهودية"، حيث قامت عدة منظمات صهيونية بتخريب خطوط السكك الحديدية الفلسطينية ومحطاتها وجسورها، ومن أهم تلك المنظمات "البالماخ، الإرجون، شتيرن"، حيث قامت بعمليات إرهابية في 153 موقعاً في جميع أنحاء فلسطين، وفي عام 1946، قامت بهدم الجزء الرئيسي من مبنى محطة شرق حيفا بنسفه بقنبلة، كما شنت عمليات إرهابية تحت اسم "عملية ليل الجسور"، يومي 16، 17 يونيو 1946، دمروا خلالها 11 موقعاً من جسور ومسارات للسكك الحديدية التي تربط فلسطين بكل من مصر وسورية ولبنان ومصر والأردن. وفي 22 أبريل عام 1947، قامت بتفجير طريق القنطرة حيفا، بالقرب من رحوفوت، ومن ثم تدهورت حالة الأمن، وزادت حالات السرقة من السكك الحديدية، ولم تتدخل قوات الأمن البريطانية لمنع ذلك، أو حماية السكك الحديدية، بل بالعكس. ففي بعض الحالات شاركت في النهب، ففي يناير عام 1948 اعترف المدير العام للسكك الحديدية، البريطاني آرثر كيربي، بأن الوضع يحتاج لحماية مسلحة كافية للسكك الحديدية وللموظفين العاملين فيها الذين بلغ عددهم نحو ستة آلاف عامل، وإلا فإنهم سيتوقفون عن القيام بواجبات عملهم.     

 بعد نكبة فلسطين وقيام دولة إسرائيل في 15 مايو 1948، تم حل شركة قطارات فلسطين عملياً بعد انسحاب بريطانيا من فلسطين، وانتهاء الإنتداب البريطاني، ومن ثم استولت إسرائيل علي شركة قطارات فلسطين التي تأسست في نفس العام، وعملت إسرائيل علي إدارة خدمات القطارات علي سكك حديد فلسطين، وفي عام 1950، تم تدشين خدمة المسافرين المنتظم من حيفا إلي تل أبيب والقدس، حيث كانت الرحلة تستغرق نحو 4 ساعات، وفي 1954 تم تدشين محطة تل أبيب "ساڤيدور" مركز السكة الحديدية على امتداد الشاطئ، التي أتاحت السفر المباشر بين مدينتي حيفا وتل أبيب، وفي 1956 تم افتتاح خط ناعن بئر السبع.

 وفي عام 2003 أسست إسرائيل شركة مستقلة للقطارات "راكيڤيت يسرائيل"، وبذلك استقلت إدارة خطوط السكك الحديدية عن إدارة سلطة الموانئ والقطارات الإسرائيلية، وذلك نظراً لأهمية خطوط السكك الحديدية، وزيادة الهيمنة الصهيونية علي الحقوق الفلسطينية، مثلما هيمنت علي الأراضي والممتلكات الفلسطينية، ومن قبلها المقدسات الإسلامية.

 *باحث في شؤون اسيا والشرق  الأوسط