• 14 آذار 2021
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : احمد صيام

 

الاغلبية الفتحاوية الوطنية تدرك تماما ان الخلاف الجاري في حركة فتح جوهره الازمة التي تواجهها الحركة في البنية التنظيمية والقيادية وليس في البرنامج السياسي الحالي الذي انبطحت  تحت سقفه كافة فصائل العمل الوطني وحتى حركة حماس التحقت بالركب ، طبعا باستثناء حركة الجهاد الاسلامي التي ترفض حتى اللحظة المشاركة بانتخابات سقفها اتفاق اوسلو؟ الواقع التنظيمي الذي تعيشه حركة فتح وسياسة التفرد والاقصاء والتهميش والتنمر احيانا التي تمارس بالحركة اقرب الى الرواية الشهيرة : ( Animal Farm ) ما يعمق من الهوة ويضع الحركة على مفترق طرق خطير وامام خيارين لا ثالث لهما : اما النهوض او الافول . ويجعلها بين فكي كماشة : الاصلاح ومن ثم التغيير، ام التغيير ومن ثم الاصلاح والتطوير والتحديث.

 نشأنا وتربينا على ان حركة فتح هي العمود الفقري في الجسم الفلسطيني ، فان اختلت فقرة من فقرات هذا الجسم ستختل الفقرات المتبقية وصولا الى الاحتضار .. والعكس صحيح ، لذا فان قيادة ومؤسسات وكوادر الحركة مطالبون اليوم اكثر من اي وقت مضى الى اجراء دراسة جدية حول كيف كانت وكيف اصبحت واين مواطن الخلاف والاسراع بمعالجة اسباب الخلاف والتطوير والتحديث ان ارادت النهوض مجددا والعودة الى قيادة الشعب الفلسطيني وحماية مشروعه الوطني الذي قدمت لاجلة عشرات آلاف الشهداء والجرحى والاسرى، والعمل على استحسان التغيير في بنيتها على اساس القيادة الجماعية والقرار الجماعي والشراكة الوطنية ..

ولكن واقع حركة فتح منذ انطلاقتها عام 1965 وحتى اللحظة ومع جميع الازمات التي عصفت بها لم يكن هناك اي محاولة للاصلاح ، بل العكس وخاصة بعد استشهاد القائد الرمز ياسر عرفات اخذ المنحنى الهيكلي التنظيمي للحركة يسير في انحدار، ما يدفع الامور بضرورة التغيير الحقيقي لاجل الاصلاح المنشود والتحديث ، ما حذى ببعض قيادات الحركة الى اعلاء الصوت والدفع باتجاه ضرورة التغيير خاصة في الهرم القيادي لاسترداد الحركة ممن يختطفها وتصويب عملها باتجاه البوصلة التي انطلقت لاجلها انطلاقا من الحرص على تعافي الجسم الفلسطيني ، حتى ولو كانت هذه الأصوات فيها ما يقال حقا ولكن يراد به باطل الا ان الضرورة الحتمية تفرض على الحركة النظر اليها بجدية واهتمام والشروع الفعلي بعميلة اصلاح تعيد للحركة مكانتها .

ولكن في المقابل ومع ارتفاع هذه الأصوات نجد المستفيدين من الحركة  يهبون لاجل الدفاع عن مصالحهم وشن حملة مبرمجة تهدف الى تشويه صورة من يدعو الى التغيير لاجل الاصلاح والتذرع بخروجهم عن الصف الوطني .

 ما ينذر بمستقبل قاتم قد تواجهه الحركة ما لم تقم بتقييم المراحل السابقة وإصلاح المشروع الوطني ، فانها من دون شك ستشهد مزيدا من التراجع ودخولها في نفق مظلم ، وهو ما يعني ان حركة فتح باتت أمام منعطف جديد وخطير، فأوضاعها الداخلية بحاجة إلى هزة أو انتفاضة من أجل إعادة إحياء مؤسساتها وانتخاب قيادات وأطر جديدة لها بما في ذلك الموقع الأول ، وترتيب أوضاعها وحل كافة القضايا العالقة مع نفسها والاخرين من فصائل العمل الوطني ، خاصة ان مرحلة صعبة تنتظر العمل الفلسطيني . فحركة فتح ليست شأنا خاصا بأعضائها، فما تقرره وما لا تقرره لا يتعلق بها فقط، بل يلقي بآثاره على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة برمته مع تسارع حملة التهويد ونهب الارض الفلسطينية وفي مقدمتها القدس .

لم يكن قرار «تعطيل» زيارة الأمير الحسين بن عبدالله إلى القدس، مجرد إجراء إداري أمني، بل قرار سياسي من قبل رئيس حكومة المستعمرة نتنياهو، استهدف تعطيل زيارة ولي عهد الوصي على المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين: رأس الدولة الأردنية الراعية للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة في عاصمة دولة فلسطين المحتلة.
نتنياهو يتصرف على أن القدس عاصمة المستعمرة ويتخذ الإجراءات لفرض سيادة المستعمرة على مكوناتها ومعالمها وتغيير الطابع الديمغرافي لسكانها، بما يتعارض مع قيم وتاريخ وحقوق الشعب الفلسطيني، وحقوق الوصاية الهاشمية والرعاية الأردنية، ولذلك نفذ قرار تعطيل مشاركة ابن رأس الدولة الأردنية وولي عهده، في ذكرى الإسراء والمعراج مع عشرات الآلاف من المصلين الذين أموا الصلاة بموقع الإسراء والمعراج المسجد الأقصى، واحتفاء بالأمير الأردني، ليكونوا معاً لكسر حلقة التضليل والضم، وإجراءات التهويد والأسرلة والعبرنة للقدس العربية الإسلامية المسيحية.
ولم يكن قرار منع طائرة نتنياهو المرور بالأجواء الأردنية، إجراء مهنيا إداريا من قبل هيئة الطيران المدني الأردنية، بل قرارا سياسيا من قبل الدولة الأردنية، تأكيداً للسيادة الوطنية على أجواء الأردن، ورداً مباشراً على قرار تعطيل زيارة ولي العهد إلى القدس.
توجيه الصفعة السياسية إلى نتنياهو، رد مباشر من عمان في ظل أجواء الانتخابات الإسرائيلية، ونشاط حراكات المعارضة المتواصلة ضد فساده وتورطه في عدة قضايا رشاوي واستغلال الوظيفة، مهما بدت متواضعة أو غير مؤثرة.
رهان عمان العمل على تفتيت معسكر المثلث الائتلافي الذي يقوده نتنياهو: 1- اليمين، 2- اليمين السياسي المتطرف، 3- الاتجاه الديني اليهودي المتشدد، وليس المقصود خلاف نتنياهو مع منافسيه جدعون ساعر ونفتالي بينيت، فكلاهما يقع في المعكسر الأكثر تطرفاً، والخلاف بينهم حول كيفية تطبيق الضم والتوسع؟؟.
نتنياهو وعد بضم المستوطنات والغور، وأخفق في تنفيذ إعلانه، بينما رفع جدعون ساعر تنفيذ ما عجز عنه نتنياهو على تحقيقه، أما برنامج نفتالي بينيت الانتخابي فهو يتجاوز موقف الاثنين نحو رفع شعار ضم كامل الضفة الفلسطينية إلى خارطة المستعمرة كما فعلوا مع القدس والجولان.
لم تكتف عمان توجيه صفعة علنية إلى نتنياهو، بل تعمل على إجراء الحوار والاشتباك السياسي، وفحص استعداد بيني غانتس واشكنازي لمواجهة نتنياهو، أو على الأقل تفكيك جبهة الائتلاف الثلاثي الذي يقوده.
بيني غانتس في لقاء مع قيادات حزبه صرح أن «نتنياهو شخصية غير مرغوب فيها في الأردن»، وهو بذلك يكشف سياسات نتنياهو وألاعيبه، وأن التطبيع المفروض من قبل إدارة ترامب المهزومة السابقة، لن تحميه من السقوط والرفض، وأن معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية ليست شيكاً على بياض، فقد عمل الأردن على إلغاء بعض بنودها المتعلقة بالسيادة على أراضيه في منطقتي الباقورة في الشمال والغُمر في الجنوب، ولهذا إذا لم تُحترم المصالح الوطنية والقومية والدينية الأردنية، فلا مجال إلا المواجهة مع سياسات المستعمرة التوسعية الاحتلالية.