• 18 آذار 2021
  • أقلام مقدسية

 

  بقلم :  احمد هيمت رضا

 في طريقي الى المكتب ذات صباح  استمعت لإحدى الإذاعات الفلسطينية من رام الله وكان هناك حديث بين المذيعة وبين ضيفتها واستمر الحوار اكثر من عشر دقائق، وانا احاول ان افهم عن ماذا يتحدثون ؟  فالحديث كان بمثابة الالغاز ،وكأن المستمع ضارب بالكف او منجم ، حتى ان المذيعة التي تعتبر نفسها الخبيرة الأولى في الفن الإذاعي ( رغم انها لا تملك من مقومات ذلك الا القليل )  لم تحاول ان توقف المتحدثة لثانية ، من اجل توضيح مع من تتحدث ، وحتى عندما سالتها سؤال ما ، لم تعطى لا المذيعة ولا الضيفة اية معلومات اكثر عن الموضوع، بعد الانتهاء من الحوار الذي كان كحوار أصحاب في صالون منزل المذيعة مع صديقتها الضيفة وبدون أي حضور ، شكرت المذيعة الضيفة ،ولم تتذكر ان تعطى وصفها الوظيفي ، ولا حتى الصفة التي تحدثت معها عنها ....

 كرهت نفسي  كثيرا لأنني امضيت ربع ساعة تقريبا ، وانا مثل الأطرش بالزفة ، فلا فهمت الموضوع ، وكرهت نفسي اكثر لأنني لم اكن مثل المنجم ولا حتى مثل المحقق كونان باحث عن الموضوع بين الحروف ..

ذهبت لإذاعة أخرى ، بعد ان استمتع بالاغنية لتي كانت تبث ، جاء من جعلني اتحصر على انني غيرت المحطة وتمنيت لو بقيت عند تلك ( المصيبة) الإذاعة الأولى ، فاذا بمذيعة أخرى تخرج علينا صراخا ، وكأنها تقول لنا استيقظوا ، فلقد جاءت المذيعة النجمة ، وبدا حوار جديد مع مسؤول اخر، وهذه المرة كان الحوار واضحا لأنه كان حوارا بين المذيعة ونفسها ، ولم تترك للضيف فرصة بان يكمل جملة واحدة ، فبعد دقائق طويلة من عرض وجهة نظر المذيعة ، طرحت سؤالا ، بدا الضيف المسكين بالاستعداد للرد ، فما ان انهى جملته الأولى حتى عالجته المذيعة الفهمانة بسؤال استدراكي على جملة لم يكملها، فحاول ان يطلب منها الاذن بان تسمح له بالحديث ، لان الحوار يكون عادة  بين اثنين ، وليس بين شخص وذاته ... ولكن عبثا  فلقد ذهبت جهود الضيف المسكين هباءا منثورا، ذلك الضيف استسلم للامر الواقع فهو ضيف المذيعة العبقرية. وانتهى الحوار الذي لم يبدا ، وبقي الضيف والمستمعين بحالة ضياع .

 عندها تذكرت المذيعة الثالثة التي استمعت لجزء يسير من برنامجها الحواري( فجميع اذاعاتنا لا تتقن الا البرامج الحوارية التي لا تسمن ولا تغنى من جوع ، فإما هي حوارات دعاية وعلاقات عامة للترويج لصديق او شركة او سلعة او هي حوار لملئ الفراغ الاثيري، او هي ايفاء بالتزام للممول اجنبي )  هذه المذيعة جاءت مستعدة لبرنامجها، فقبل ان تبدا  اطلقت القذائف في كل الاتجاهات ووجهت الاتهامات هنا وهناك ، وكأنها زعيم حزب او مصلحة اجتماعية ، ونسيت انها صحفية إذاعية مهمتها  تسليط الضوء بمهنية عالية على قضية ما او حدث ، وإعطاء المعلومة وتوسيع مدركات المستمع الذي عليه ان يتخذ قراره ، وليس هي التي تعطيه الأوامر بان يتبنى قرارها ، هذه المذيعة شنت هجوم عنيفا على الضيف  واعتبرته مسؤولا عن إخفاقات السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها، وانه هو المسؤول عن كل مصائب العالم .

وهذا الحوار انتهى أيضا بدون ان يتم تقديم اية معلومة  للمستمع الذي فضل مثلي اغلاق الإذاعة والاستماع لاصوات الشارع من سيارات وباعة واصوات الطيور والعصافير ، فهذه الأصوات جميعها لا تضر بالصحة ولا تؤذى اذنيه، ولكن على الأقل تريحه من الضغط الذي تعرض له عبر الإذاعات المحلية التي يجب عليها إعادة النظر في برامجها وخاصة الحوارية ، وانصح اصحاب القرار في تلك الاذاعات ان يأخذ الجميع من مذيعات ومذيعين دورات في أدارة الحوارات ، واحترام المستمع وتقدير عقله ، فليس كل من جلس خلف الميكروفون هو صحفي بل يمكن ان يكون ظاهرة صوتية ليس اكثر ....