• 22 نيسان 2021
  • أقلام مقدسية

 

 بقلم : سعادة مصطفى ارشيد

 

يعاني القارئ المتابع للشأن الفلسطيني من السأم , و يشعر ولا بد بقدر من الإشباع , لكثرة ما دبج من مقالات في الصحف و المواقع الإخبارية , و ما سمع وشاهد في الفضائيات من سجالات و نقاشات , حول الانتخابات التشريعية الثالثة.

والتي يرى بعض من أدلى بدلوه على أنها ضرورية , لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني , و لإنهاء الانقسام , و الخروج من حالة التكلس و سوء الأداء , ثم أنها حسب أصحاب هذا الرأي ضرورية , لتجديد الشرعية الفلسطينية , الأمر الضروري في حال عادت المفاوضات لدورتها في عهد إدارة بايدن الديمقراطية , فيما يحذر بعض آخر من خطورتها على المشروع الوطني و يرون بها وصفة لتعميق الانقسام , و إعادة إنتاج القديم , و أنها ستقود إلى ثنائية تقاسم الوطن ,

وثنائية  المشاركة بمغانم السلطة , ثم أن تجربة انتخابات 2006 , قد أثبتت بما لا يدع مجالا للشك , أن الانتخابات السياسية التي تجري في واقع من انعدام و فقدان السيادة , وتضاؤل التأثير و الوزن السياسي , تبقى مشروعيتها الاقتراعية منقوصة , إلا في حال حصل انسجام ما بين نتائجها و واقعها الإقليمي و الدولي , و حصلت على اعتراف داعميها و مموليها  .

قيل كثير و سيقال أكثر في بضع الأيام القادمة  , أن كانت الانتخابات ستجري في موعدها المقرر , أم أنها ستؤجل (تأجيل بحكم الإلغاء ) , و ذلك بسبب القلق و انعدام اليقين من نتائجها , عند من بيده قرار التأجيل , و اخذ المواطن يسمع دندنات ( تلطيشات ) سياسية , و من قادة فصائل ثانوية , تعلن رفضها إجراء الانتخابات دون القدس , و تصريحات أخرى من سياسيين في السلطة , تذهب في ذات الاتجاه , كان آخرها تصريحات نبيل شعث , مستشار الرئيس أبو مازن , الذي أكد أن لا انتخابات بدون القدس , في حين أن مسوغات تتم صياغتها و تسويقها لصالح التأجيل , منها ما كتبت عنه في مقالي السابق ,حول حق المقدسيين في الاقتراع بمدينتهم , ثم حول رسالة الأسرى الأخيرة للرئيس أبو مازن  و التي يطالبونه فيها بالتأجيل , و بما سيعود المقال لتبيانه لاحقا .

يفصلنا عن موعد انطلاق حملات الدعاية الانتخابية أسبوع سريع , ففي فجر الأول من أيار تنطلق الماكينات الانتخابية لستة وثلاثين قائمة مرشحة , و تضيق الفرصة حينها على إمكانية التأجيل , الذي لن يعود حينها أمرا سهلا في حال انطلقت الدعاية الانتخابية , و لا استبعد هنا ان يكون ( الإسرائيلي ) بصدد إعداد مقلب سياسي انتخابي في اللحظة الأخيرة , يضع السلطة في موقع صعب , حال إن وافق على إجراء الانتخابات بالقدس وفق الآلية القديمة  التي جرت عليها في انتخابات 1996 و انتخابات  2006 ,

و ذلك بالسماح للمقدسيين بالاقتراع في مكاتب البريد ( الإسرائيلية ) , لا تستطيع السلطة الاعتراض على ذلك , فقد مورست هذه الطريقة من قبل برضا و موافقة السلطة الفلسطينية الحالية  , و تردد مؤخرا اقتراح أوروبي بان يتم اقتراع المقدسيين في قنصليات أوروبية موجودة بالقدس الشرقية , و لهذا الأمر جانبه السلبي فلسطينيا و الايجابي ( إسرائيليا ) , فهو يحمل في ثناياه , إقرارا فلسطينيا بان المقدسيين ليسوا إلا جالية فلسطينية تعيش خارج فلسطين , و في دولة اسمها ( إسرائيل ) , و في هذا السياق يجب أن نتذكر , لا بل  و أن نذكر المفاوض الفلسطيني في أوسلو كما قيادة السلطة  , أن تلك الاتفاقية  لم يرد بها أي ذكر للقدس باستثناء مرة واحدة فقط لا غير , و ذلك في سياق تعداد المسائل المؤجلة البحث و هي : اللاجئون , الحدود , المستوطنات , المياه , و القدس .

 من الناحية النظرية , يمارس نتنياهو سلطاته بصفته رئيس حكومة تصريف أعمال  , في غالب الأمر , قد لا يعطي جوابا حول الشأن الانتخابي عموما , و حول الانتخابات بالقدس خصوصا , قبل الرابع من أيار , بالرفض أو الموافقة , حيث يكون بن يامين نتنياهو قد نجح في تشكيل حكومته – و ذلك أمر قليل الاحتمال , أو أن يطلب من رئيس دولته مهلة خمسة عشر يوما , أو أن يكلف بتشكيل الحكومة شخص آخر , و ذلك ما يزيد من قلق السلطة التي كانت تنتظر موقفا صريحا من الحكومة ( الإسرائيلية ) , قبل موعد الرابع من ايار , بحث تجد به مبررا لتأجيل الانتخابات  .

ذكرت في مقالي السابق أن هذه القدس التي تطلق عليها الأدبيات النظرية أسماء جميلة لها أبعادها الدينية و الوطنية و حتى العاطفية  , منها بوابة السماء , و زهرة المدائن , و العاصمة الأبدية , و ارض المحشر و المنشر , مسرى الرسول و معراجه , و بلد المسيح ..... و غير ذلك , و لكن أصحاب هذه الأدبيات والبيان الجميل , لم يقرنوا ذلك بالعمل و الدفاع عنها بقدر إهمالهم لها , عقاراتها تتسرب إلى جهات معادية , أحياؤها تتهود , يتفكك و يضعف ارتباطها و ارتباط أهلها بالمجموع الفلسطيني , في حين يتعزز مع بلدية القدس اليهودية , فالمقدسي الحزين لا يرى و لا يلمس فعلا حقيقيا أو جادا للدفاع عن مدينته ,

  ولرعايته و لدرء المخاطر التي تهدده , قول دون فعل , عند من يملك أن يمارس الفعل , أو صوت صارخ في برية عند الفلسطيني الشريك بالحزن , مع العلم أن القدس و بسبب الفراغ الذي حصل بدواعي الإهمال إذا افترضنا حسن النية , قد خلق فراغا تسعى لملأه دول و جهات و تبذل من اجل ذلك المال و الجهد , بحيث أصبحت القدس ميدان سباق لعدد من الدول التي تحاول أن تجد لها موطئ قدم و جمهور في المدينة. تلفزيون فلسطين الرسمي , ينقل فعاليات صلاة  الجمعة في أحيان قليلة من المسجد الأقصى , وأمسيات التراويح الرمضانية في كل يوم من مدينة فلسطينية أو قرية , لا من المسجد الأقصى , في حين أن فضائيات عربية عديدة تلتزم بنقل الفعاليات الرمضانية من تلك الرحاب الطاهرة , و مع ذلك يضع من يريد عقدة القدس التي أهملها في منشار الانتخابات كذريعة محتملة .

أما ذريعة تأجيل الانتخابات الثانية , فهي رسالة الأسرى للرئيس أبو مازن , يطالبون فيها بتأجيل الانتخابات , و التي يتم العمل على المبالغة في أهميتها , و أهمية الأسرى الذين هم بحق , يستحقون الرعاية و الاحترام و ايلاء رأيهم  الاهتمام , إلا أن ذاكرة المواطن الطليق و الأسير على حد سواء  , لا زالت تذكر , كيف تم  قطع مخصصاتهم من الموازنة العامة , و إغلاق حساباتهم البنكية في البنوك الفلسطينية و العربية العاملة بالضفة الغربية ,  و ذلك استجابة للإملاءات المعادية , التي تعتبرهم ارهابين و مجرمين , لا مناضلين في سبيل قضايا عادلة , دخلوا السجون بسبب برامجهم السياسية , و هي برامج القيادة الفلسطينية حين تم اعتقالهم ,  و هم ألان يتقاضون –  تتقاضي أسرهم مخصصات من وزارة الشؤون الاجتماعية , عبر مكاتب البريد لا عبر البنوك , باعتبارهم من المساكين و الفقراء المعوزين , الأمر الذي ينتهك  كرامتهم , و يسفه  نضالاتهم و تضحياتهم , ثم نراهم يعودون إلى دائرة الاهتمام ,

ويستخدمون ( يوظفون ) من جديد عبر رسالتهم إلى الرئيس التي يطالبون بها بتأجيل الانتخابات , لحين ترتيب شؤون حركة فتح الداخلية او بعضها , و استعادة شيء من وحدتها , و العودة عن قرارات الفصل , ثم استصدار مراسيم رئاسية تحمل صفة القانون , لتعديل قانون الانتخابات الرئاسية بحيث يصبح على غرار نظام الانتخابات في الولايات المتحدة , فينتخب الرئيس و نائبة  , الأمر الذي يهدف إلى أن يكون الرئيس أبو مازن مرشح الرئاسة , و مروان ألبرغوثي نائبا للرئيس , و ها هم الأسرى  يعاد الاعتبار لهم مؤقتا بصفتهم ضميرا وطنيا , لا يرد له طلب , بعد أن سبق و تم التعامل معهم باعتبارهم عبأً ماليا وسياسيا , يجب التخفف منه  .

 جريدة البناء البيروتية