• 29 نيسان 2021
  • أقلام مقدسية

بقلم : سعادة مصطفى ارشيد

 

انقضت شهور على وصول الرسائل الأوروبية لقيادة السلطة الفلسطينية في رام الله , تطالبها بإلحاح ,  بإجراء انتخابات برلمانية و رئاسية , و ترافقت تلك الرسائل بإشارات تربط استجابة السلطة الفلسطينية باستمرار الدعم المالي و السياسي الأوروبي لها , من هذه النقطة اخذ موضوع إجراء انتخابات يدر ويناقش بشكل جدي , لا إعلامي و دعائي كما كان يحصل سابقا .

سارع الحزب الحاكم في الضفة الغربية ( حركة فتح ) بفتح حوار مع الحزب الحاكم في قطاع غزة ( حركة حماس ) , سارت بسرعة وحققت نجاحات سريعة , و ذلك لحاجة الفريقين لانتخابات تحفظ لكل منهما مكاسبه وربما لعب الانسجام الشخصي- بين مَن مثّل الفريقين في الحوار- دورا في التوصل إلى نتائج سريعة , أعقب هذا النجاح الرغبة في إعطاء مخرجات ما توصل إليه القطبان الرئيسان شكل الإجماع الوطني , فعقد لقاء الأمناء العاميين في بيروت ثم القاهرة , و كان كل شيء معد سلفا , و بقي أن يشارك الجميع – و قد شاركوا في الإخراج  ولم يخرج عن ذلك الإجماع إلا حركة الجهاد الإسلامي . يتركز القرار الفلسطيني بيد الرئيس أبو مازن فهو رئيس الدولة ومنظمة التحرير وكذلك السلطة الفلسطينية

وحركة فتح ,لم تكن عملية إقناعه بخوض مغامرة الانتخابات بالأمر السهل , وهو المعروف بحذره و حيطته , فالخسارة هذه المرة ستكون أخطر من سابقتها عام 2006 , إلا أن أطرافا مقربة منه وطامحة لوراثته , استطاعت إقناعه كل بإبداء ضماناته ، فريق منهم يرى انه الأقوى والأكثر إمساكا بمفاصل السلطة  ،أكد أن بإمكان فتح الحصول على 50 % + 1 من مقاعد المجلس التشريعي , فيما أكد فريق آخر أن الاتفاق مع حركة حماس على قائمة مشتركة تحصل فتح بها على 50% + 1 أمر سهل , و بهذا اقتنع الرئيس أبو مازن وأصدر مرسوم إجراء الانتخابات , وأعطيت الإشارة للجنة الانتخابات المركزية لتنطلق بالعمل .

لكن حسابات الحقل بالغة التفاؤل , عاد و بدا أنها لن تقترب من حسابات بيدر النتائج الواقعية , فنسبة التسجيل في قوائم الناخبين شهدت إقبالا غير متوقع فقد تجاوزت حاجز 90 % من أصحاب حق الاقتراع , الأمر الذي يشير إلى رغبة عارمة لدى المواطن الفلسطيني في التعبير عن رأيه و بالتغيير , ثم أن عدد الكتل المرشحة قد وصل إلى 36 قائمة , شملت جميع الأطر السياسية و الاجتماعية باستثناء الجهاد الإسلامي , و بعض الفصائل الصغيرة التي فاتها الوقت , عندما اكتشفت بعد فوات الأوان أن من وعدها من القوائم الرئيسة بإدراجها لم يفي بوعده . اختلاف الحسابات وما أحدثه من قلق , كان السبب وراء غضبة الرئيس أبو مازن في اجتماع اللجنة المركزية في 19 نيسان , وهو داعٍ إضافي من دواعي تأجيل الانتخابات التي تم التحوط لها وإعداد ذرائع التأجيل وأولها دور القدس و طريقة مشاركتها في الانتخابات ورسالة الأسرى للرئيس , وربما قريبا جائحة كورونا , أو التذرع بحادث في الأغوار كمصادرة أرض أو هدم منزل أو اقتلاع أشجار في محيط المستوطنات  من هنا يمكن الدخول على موضوع ما يجري في القدس و مآلاتة , في محاولة لتقديم قراءة واقعية تدرأ شر الإحباط بالمستقبل , تلتزم بالحقائق لا بالأماني التي تمناها كاتب المقال من قبله كثير من أبناء الوطن لم تتوقف بلدية القدس اليهودية عن سعيها لتغيير القدس الشرقية وفي مركزها القدس العتيقة  معالما وثقافة , للاستيلاء على المدينة و خلق تاريخ زائف لها و صناعة اثر مكاني جديد , ولطمس شخصية المقدسي , وكان من هذه الإجراءات بناء مدرج عصري قبيح لا يتناسب معماريا مع السور التاريخي ، يتم عبره الدخول إلى باب العامود الشمالي والمعروف بباب دمشق و باب نابلس وهو أجمل أبواب المدينة , ومع ذلك فقد استطاع المقدسيون التعامل مع هذا الواقع الجديد فأصبح مكانا للقاء والتجمع وأكل الكعك المقدسي  وشرب العصائر ، يشكل أو آخر حوله المقدسيون إلى شيء من ( هايد بارك مقدسي) , وهو ما أزعج الاحتلال و بلديته , فقامت بوضع حواجز معدنية , لمنع الجلوس و جعله مكانا للمرور فقط , وهي الشرارة التي أشعلت النار في الهشيم المتراكم . القدس بطبعها ترى أنها تقود ولا تقاد , وهي مدينة عالمية على صغرها النسبي ( ( METROPOLITAN , و ساعد الإهمال و ابتعاد الأردن و السلطة الفلسطينية ,

على إيجاد لاعبين جدد و كثر في ميادينها , و في حين أن هايد بارك لندن يضم منظرين و سياسيين و مجانين وغريبي الأطوار, يتحدثون بما يحلو لهم . فان هايد بارك القدس يتعاطى مع أجندات متباينة , و يتناول مسائل حقيقية , ووجد به أنصار السلطة و تأجيل الانتخابات فرصة للعمل على ذلك , فيما وجد به غيرهم فرصة للتطاول على السلطة و رئيسها , وممارسة حملة انتخابية مبكرة , ترافقت مع تصعيد شديد , في جبهة الجنوب , و إطلاق عدد كبير من الصواريخ من غزة إلى شمالها .

كنت قد ذكرت في المقالة الماضية , وجود احتمال أن ( إسرائيل ) قد تكون بصدد الإعداد لترتيب مقلب سياسي للسلطة , إذ تدعها تستثمر في القدس و حق الفلسطيني بالاقتراع بها , وفي هبة باب العامود , ذرائع لإلغاء الانتخابات , وفي اللحظات الأخيرة تفاجئ الجميع بموافقتها و سماحها بإجراء الانتخابات وفق الآلية القديمة التي جرت بموجبها انتخابات عامي 1996 و 2006 , و تناقضت التصريحات ما بين المسئول الفلسطيني – وزير الشؤون المدنية و بين وزارة الخارجية , إذ قال الوزير الفلسطيني أن ( الإسرائيليين ) قد ابلغوه بعدم موافقتهم على إجراء الانتخابات بالقدس , في حين أن رئيس القسم السياسي بوزارة الخارجية ( الإسرائيلية ) ابلغ وفدا من ثلاثة عشر سفيرا أوروبيا ,بان دولته لا تمانع إجراء الانتخابات , و أنها ترى في ذلك شان فلسطينيا ,

وكانت زيارة السفراء هذه قد جاءت اثر جولة قام بها وزير الخارجية الفلسطيني إلى أوروبا , قال فيها أن حكومة الاحتلال هي من يعرقل إجراء الانتخابات . مساء هذا اليوم الخميس ستجتمع القيادة الفلسطينية في رام الله , حيث يؤكد المقربون منها أن إعلانا بتأجيل الانتخابات مستندا إلى ذريعة القدس سيصدر, الأمر الذي سيدخل الحالة الفلسطينية في أزمات جديدة , كانت في غنى عنها , لو لم تدخل في هذه المغامرة غير المكتملة , أربعة عشر قائمة انتخابية منها القوائم الرئيسة باستثناء قائمة فتح , أبلغت لجنة الانتخابات المركزية أنها ترفض تأجيل الانتخابات أنها حالة بائسة , و مما يعبر عن بؤسها و تهافتها , ما تناقله الإعلام و وسائل التواصل الالكتروني بالصوت و الصورة , لعضو في اللجنة المركزية لحركة فتح , يرى فيها أن الانتخابات تتعارض بالأصل مع نهج الثورة و المقاومة الذي تلتزم به حركة فتح و السلطة , الأمر الذي يدعو المستمع المهذب و الحصيف , لأن يقول , اللهم لا حول و لا قوة إلا بالله , و حسبي الله و نعم الوكيل .