- 29 نيسان 2021
- أقلام مقدسية
بقلم : د. ولید سالم
.
شكلت انتفاضة عام ٢٠٠٠ آخر محاولة فلسطینیة كفاحیة شاملة لتحقیق الاستقلال الوطني الفلسطیني في دولة فلسطینیة على حدود الرابع من حزیران عام ١٩٦٧. ویلوح الآن في الأفق بوادر حملة كفاح فلسطیني شامل جدیدة .
بعد تلك الانتفاضة إنتقل الكفاح الوطني الفلسطیني إلى المحلیة ، لیتخذ شكل ھبات في مواقع بعینھا ، فیما تقوم المواقع الاخرى بدور الاسناد . جاء ھذا التطور في ضوء عوامل مختلفة بعضھا موضوعي : كخروج الجیش الاسرائیلي من قطاع غزة عام ٢٠٠٥ مما جعل استمرار الاشتباك الانتفاضي الشعبي المباشر معھ غیر ممكن ، وانكفاء قوات الجیش الاسرائیلي إلى خارج المدن الفلسطینیة في الضفة قبل ذلك ، وتحول الجیش الاسرائیلي إلى استخدام الأبراج المحصنة وسیارات الجیب المؤمنة في مواجھة المظاھرات الفلسطینیة التي استمرت في مواقع محددة مثل كفر قدوم وبلعین ونعلین وأم سلمونة وقرى الاغوار وقرى مسافر یطا. وترافق ذلك مع العوامل الموضوعیة في الجانب الاقتصادي حیث بینت محاولات الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائیلي في الضفة عدم قدرة على التنفیذ بسبب الإجراءات الاسرائیلیة الكابحة لأي خروج عن بروتوكول باریس الاقتصادي لعام ١٩٩٤ والذي یتعامل مع فلسطین المحتلة عام ١٩٦٧ واسرائیل في إطار اتحاد جمركي واحد ، ومن الامثلة على فشل تجارب الانفكاك تجربة التوقف عن استیراد العجول من إسرائیل عام ٢٠١٩، وما تلاه من وقف إسرائیل لاستیراد المنتجات الزراعیة الفلسطینیة ومنعھا لفلسطین من استیراد عجول من دول بدیلة ، وفي النھایة عادت فلسطین لاستیراد العجول من اسرائیل ، كما عادت عن كل قرارات الانفكاك الاقتصادي عنھا.
یضاف للعوامل الموضوعیة الكابحة للفعل الانتفاضي الفلسطیني الشامل ، عوامل ذاتیة لعل أولھا یتمثل في عدم القدرة على تطویر رؤیة لانتفاضة فلسطینیة ثالثة تأخذ بعین الاعتبار اختلاف الظروف عن الانتفاضات السابقة من حیث انسحاب الجیش الاسرائیلي خارج المدن الفلسطینیة في الضفة وخارج غزة ، ومشكلات المقاطعة الاقتصادیة لمنتجات الاحتلال في ظل حاجة غزة المغلقة من جمیع الجھات إلیھا ، وعدم التركیز على الزراعة وتطویر بدائل وطنیة للمنتجات الاسرائیلیة في الضفة ، وعدم اعتماد نھج التنمیة المبني على المجتمع المحلي لتعزیز الاعتماد على الذات اقتصادیا. ولعل من العناصر الھامة لتطویر مقاومة فلسطینیة شاملة القیام ببنائھا على ستة أسس: كفاحیة ومیدانیة ، واقتصادیة تنمویة ، وقانونیة ، ودبلوماسیة سیاسیة ، ومعرفیة ، واعلامیة ، بحیث تشمل ھذه الأسس الست مشاركة كل قطاعات الشعب الفلسطیني في كافة أماكن تواجده فیھا ، وبمشاركة مناصري وقوى التضامن والبرلمانات المساندة فیھا ، وقبل كل ذلك مشاركة وتحقیق التناغم والتنسیق بین الجھود الرسمیة والجھود الشعبیة فیھا بتنظیم من قبل منظمة التحریر الفلسطینیة .
بعض جوانب ھذه الرؤیة الجدیدة للمقاومة الفلسطینیة الشاملة قائمة وموجودة في نشاطات حركات المقاطعة والعقوبات وسحب الاستثمارات ، وفي حراكات الجالیات الفلسطینیة وقوى التضامن ، وفي النشاط الدبلوماسي السیاسي والقانوني في المحافل والھیئات الدولیة ، ولكن ھذه الجوانب ینقصھا التنظیم والتكامل ودور المایسترو الذي ینسج اتساقھا معا ممثلا في منظمة التحریر الفلسطینیة بعد تفعیلھا ومعالجة حالات الانقسام والتشظي داخلھا ، وكذلك في صفوف الشعب الفلسطیني ولاجئیھ وجالیاتھ في كل ارجاء الارض.
لا تعیش الحیاة النضالیة الفلسطینیة في فراغ إلى حین بزوغ الرؤیة الشاملة للكفاح الفلسطیني وتفعیل قیادتھا المنظمة ، ولكن ما حصل ھنا أن الكفاح الشعبي الفلسطیني سیما في الداخل قد تشظى، وأصبح محلیا ، كما أن لم یعد متعلقا بشعارات كبرى التحریر الوطني والاستقلال ، بل أصبح یمثل حالات من الھبات التي تمثل ردود أفعال على إجراءات احتلالیة استیطانیة استعماریة محددة بھدف إلحاق الھزیمة بھا، وتعزیز تثبیت الوجود الفلسطیني على ارض وطنھ . لا یقلل ھذا التحول من بطولة الفاعلین على الأرض ولا من نبل افعالھم و إخلاصھم وتضحیاتھم ، ولكنھ ربما یزید من قیمة ھذه البطولات كونھا تتم بجھود محلیة في ظل غیاب استراتیجیة مقاومة منظمة شاملة. ویمثل النجاح في دحر ترحیل فلسطینیي الخان الاحمر ، والمعارك المستمرة لتثبیت وجود العراقیب وغیرھا من القرى غیر المعترف بھا اسرائیلیا في النقب ، وكفاح الیافاویین ضد یبع عقاراتھم من قبل شركة عمیدار الاسرائیلیة ، وكفاح قرى الأغوار ومسافر یطا المستمر أمثلة على ھذا الكفاح البطولي المثابر والمنقطع النظیر.
في القدس ، یكتسي تثبیت الوجود الفلسطیني معنى اضافیا خاصا ، حیث مركزیة القدس كعاصمة لفلسطین وأھمیتھا الدولیة ، والسعي الصھیوني لتحویلھا بناء على ذلك إلى مفتاح لتنظیم كل الحجیج الدولي والعربي والإسلامي إلیھا من خلال البوابة الاسرائیلیة ، اضافة للمساعي الإسرائیلیة المحمومة لتھویدھا واسرلتھا بشكل شامل مكانا وارضا واقلیما وفضاءا ومشھدا، فلا یكاد یمر یوم دون الإعلان عن خطة إسرائیلیة جدیدة لتھوید المدینة . كل ذلك یجعل حیاة المقدسي الفلسطیني الیومیة حكایة صمود یومي ، فالدفاع عن الوجود الیوم ، لا یكفي لحمایة ھذا الوجود في الیوم التالي ، ففي الیوم التالي علیك كمقدسي أن تعید خوض معركة تثبیت الوجود من جدید وھكذا كل یوم. ھذا ما أصبحت علیھ الحالة المقدسیة: حالة دفاع مستمر عن الوجود ، مجرد الوجود.
في ھذه المعركة لحفظ الوجود یتحرك المقدسیون لدى استشعارھم للخطر وكرد على عدوان إسرائیلي ، وفي اطار ھذا الاستشعار حققوا الانتصار في منع تركیب البوابات على مداخل المسجد الاقصى عام ٢٠١٧، ومنعوا تحویل مصلى باب الرحمة إلى كنیس یھودي عامي ٢٠١٨ و ٢٠١٩، ومنعوا الاحتلال من إغلاق باب العامود الشریان الحیوي للقاء المقدسیین اصدقاءا ونشاطات ثقافیة وفنیة، تماما كما كانت ساحة ' اغورا' في أثینا القدیمة، وشارك المقدسیون بكلھم في تحقیق ھذه الانجازات بشیبھم وشبانھم ، ورجالھم ونسائھم ، وبفصائلھم الفلسطینیة والمستقلین عنھا ، وبمسلمیھم ومسیحییھم ، بالمساواة وبدون استثناء أحد ، ولا سطوة أحد على الآخر. وبھذا ارسلوا رسالة للعالم وللمطبعین الجدد من العرب بأن القدس فلسطینیة عربیة لا بالشعار ولكن من خلال اھلھا الذي یصنعون الصمود یومیا فیھا.
وللحق فإن لباب العامود حكایة تتطلب تسلیط الاضواء على بعض جوانبھا وان لم یكن كلھا مما یتطلب مقالة خاصة ، فبعد مسیرة أوسلو حول الاحتلال باب الخلیل المؤدي إلى البلدة القدیمة بابا لدخول الیھود بشكل خاص إلیھا لقربھ المباشر للقدس الغربیة ، كما حول باب المغاربة إلى باب لدخول المتطرفین الیھود والافتجلیكانیین المسیحیین إلى المسجد الأقصى ، وحتى السنة الماضیة بقي باب العامود وسائر أبواب القدیمة مفتوحة لدخول الجمیع ، وفي الممارسة كان باب العامود وباب الجدید وباب الساھرة ھي الأبواب الثلاثة الرئیسة التي یستخدمھا الفلسطینیون مسلمین ومسیحیین للنفاذ إلى البلدة القدیمة بدون أن یمنع ذلك دخول الیھود أیضا من ھذه الابواب . ھكذا كانت الحال حتى تشرین أول / أكتوبر عام ٢٠٢٠ ، حیث قام الاحتلال بوضع لافتة معدنیة على مدخل باب العامود باسم " ھدار وھداس " وذلك تكریما منھ لمجندتین قتلتا عامي ٢٠١٦و ٢٠١٧ ھما ھدار كوھین وھداس ملكا . ولذلك لم یكن صدفة أن قام الاحتلال بإغلاق باب العامود في بدایة رمضان الجاري لمنع التجمھرات الفلسطینیة فیھ بذریعة " تسھیل وعدم عرقلة حركة المرور "، فھذا الإجراء الذي طرح على أنھ مجرد إجراء تقني أراد استكمال خطوة اكتوبر الماضي باعادة تسمیة باب العامود بأسماء یھودیة ، وبالتالي البدء في حصر حریة وجود الفلسطینیین فیھ . أدرك شباب القدس ھذا الخطر ، فھبوا لمنعھ ونجحوا في ذلك ، ولكن لا ضمانة أن لا یعید الاحتلال الكرة من جدید مستقبلا ، فالحیاة في القدس ھي كر وفر مع الاحتلال بشكل یومي.
وإذ نجح المقدسیون حتى الآن في تثبیت منع التقسیم المكاني والزماني للمسجد الاقصى ، ومنع تھوید باب العامود ، فإن معارك الكر والفر مستمرة ضد الترحیل في الشیخ جراح ، ومواقع سلوان : البستان وبطن الھوى ووادي الربابة . الملاحظة ھنا أن الكفاح من أجل الدفاع عن الأقصى وباب العامود اتخذ طابعا مقدسیا شاملا، أما الكفاح للحفاظ على الشیخ جراح ومواقع سلوان فیقتصر على سكان تلك المواقع ، ومشاركة محدودة ممن یقطنون في أحیاء القدس خارجھا ، اضافة لمشاركة نشطاء ونشیطات یساریین یھود واجانب. ویتطلب الأمر ھنا التساؤل حول الكیفیة التي یمكن من خلالھا جعل الكفاح ضد الترحیل من مواقع القدس شاملا كما ھو الكفاح بشأن قضایا الأقصى وباب العامود. كما یتطلب الدعوة للحمایة الدولیة الفوریة للمقدسیین ضد إجراءات الترحیل الداھمة.
حاولت السطور السابقة وضع كفاحات المقدسیین في السنوات الاخیرة في اطار ھو حفظ الوجود الوطني الفلسطیني في المدینة وھو أمر في غایة عالیة من الاھمیة . ھي ھبات تبدأ بمفجر لھا ، وتنتھي مع انتھاء ھذا المفجر ، ولكن یبقى المقدسیون بعدھا دائما على یقظة وعلى أھبة الاستعداد بانتظار المفجر الاحتلالي القادم . ولھذه الكفاحات نجاحات بطولیة في قضایا الاقصى وباب العامود، ولكن لھا ایضا محدودیتھا في سلوان والشیخ جراح حیث ضعف المشاركة في النشاطات الاحتجاجیة في تلك المواقع ، لذا یجب عدم تحمیلھا أكثر مما تحتمل، بل السعي إلى جعلھا مقاومة فلسطینیة شاملة وفق المكونات الست المطروحة آنفا . و حینھا ، وحینھا فقط یمكن طرح مطالب شاملة باتجاه الحریة والاستقلال لا یستطیع شباب القدس لوحدھم/ن تحقیقھا .
بقیت كلمة أخیرة حول الانتخابات الفلسطینیة ، فالھبات المقدسیة لا علاقة لھا بھا ، وعموما لا یھتم المقدسیون العادیون بالانتخابات قدر اھتمامھم بالحفاظ على وجودھم في المدینة من خلال ھباتھم وھو الاھم . في المقابل اھتمت بالانتخابات النخب المقدسیة التي بعضھا غیر مندمج بمجتمعھ المقدسي بشكل كاف.
لھذا الانفصال بین النخبة وبین قطاعات الشعب الواسعة حدیث في مقال آخر، ولربما یكون المدخل لنقاشھ ھو المتعلق بالسؤال: ھل الأولویة في القدس تحت الاحتلال ھي للكفاح الوطني أم للبناء الوطني ؟ وما ھو موقع الانتخابات الفلسطینیة في إطار ذلك ؟ وكیف تكون ھذه الانتخابات رافعة اضافیة لتعزیز الكفاح الوطني في المدینة ، ولیس مجرد عملیة فنیة اجرائیة ؟

