• 24 حزيران 2021
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : إبراهيم نصر الله

قد يغدو عنوان العمل الأدبي أحياناً أكثر شهرة من اسم صاحب الكتاب، وقد يتحول العنوان إلى قول مأثور تستدعيه ألسنتنا وقلوبنا وعقولنا في مواقف وحالات كثيرة، وقد يتحوّل إلى رمز لمرحلة بأكملها.
ثمة عناوين لا تستطيع إلا أن تقف أمام جمالياتها العالية، وليس بالضرورة أن تكون عناوين لكتب أدبية، فمن يمكن أن يقفز عن عنوان بجمال «خريف الغضب» لمحمد حسنين هيكل، وعنوان مثل «ذهب مع الريح» أو عناوين أفلام راجت أكثر من الروايات المأخوذة عنها مثل: «صمت الحملان» و»إنهم يقتلون الجياد.. أليس كذلك؟» أو مسلسل «لعبة العروش».
لقد شكلت هذه العناوين حضوراً خاصاً بحيث استند كثير من الشعراء وكتاب المقالات إلى إيحاءاتها وهم يكتبون قصائدهم ومقالاتهم.
كما أن ثمة عناوين أصبح لها حياتها المستمرة، المتجددة، ولعل عنواناً مثل: دون كيشوته، البحث عن الزمن الضائع، في انتظار غودو، موسم الهجرة إلى الشمال، مدن الملح، المتشائل، قصة موت معلن، مائة عام من العزلة، الثابت والمتحول، لماذا تركت الحصان وحيدا، قد أصبحت من مكونات ثقافة اللغة لدينا.
كثير من الناس لا يعرفون المتاعب والمشقة الكبيرة التي يلاقيها الكاتب وهو يبحث عن عنوان لعمله الأدبي، ففي أحيان كثيرة يقف العنوان حائلاً أمام نشر الكتاب، لأن الكتاب حضر، وعنوانه لم يحضر، تماماً كالطفل الذي يولد ولكن عدم الاتفاق على اسم له يؤدي إلى تأخر حصوله على شهادة ميلاد أشهر طويلة.
وتجربتي مع بعض عناوين كتبي لا تختلف عن تجارب أصدقائي الكتَّاب، ففي حالات كثيرة يبدو عدم العثور على عنوان أشبه بلعنة، فحينما كتبت روايتي «حارس المدينة الضائعة» لم أجد عنوانها، فتأخر صدورها عاماً، وفي النهاية وضعت قائمة بالعناوين المقترحة، واتصلت بصديق لي في بلد مجاور، وقلت له: ها هي العناوين فاختر واحداً، وفي أقل من لحظات قال لي، وقد كان قرأ الرواية: بالطبع «حارس المدينة الضائعة».
وفي إحدى المرات تأخر صدور إحدى رواياتي لمدة عامين لأنني لم أتفق وناشري، في حينها، على عنوان يرضينا معاً، لكن الرواية نُشرت أخيراً بالعنوان الصّادم الذي اخترته وهو «عَوْ» والذي يعني صوت الكلب. والكلب، الكائن الذي تتمّ إخافة الأولاد به في ثقافتنا الشعبية! وكان ذلك بعد استعراض أسماء مثل «النباح» و «الجنرال والكلب» وغيرهما. وها أنا الآن بعد أكثر من ثلاثين عاماً على صدور الرواية مرتاح لهذا العنوان الذي بدا فظاً لبعض القراء والنقاد في البداية، لكن ذلك تغير، فقد اختزل هذا العنوان بحرفيْه فكرة سقوط المثقف في فخّ السلطة كما أردت له، بحيث بتّ أسمع أصدقائي يصفون هذا، أو ذاك، ممن سقطوا «عَوْ».
وهناك حكايات كثيرة لعناوين بعض الكتب، الشعرية والروائية، وإن كان يحضرني بعض عناوين مشروع «الملهاة الفلسطينية» ولعنوان المشروع حكاية لا تقل غرابة عن عناوين الروايات التي تنضوي تحته، ففي حين توصّلت إلى عناوين: رواية «طيور الحذر» و»زيتون الشوارع» و»دبابة تحت شجرة عيد الميلاد» في المراحل الأولى من الكتابة، كتبتُ «طفل الممحاة» دون أن يخطر ببالي اسمها؛ وذات يوم كان صديقنا الروائي إبراهيم عبد المجيد يزور عمّان، سألني ما جديدك؟ فقلت رواية ربما يكون اسمها: «طفل الممحاة» وإن كانت هناك عناوين أخرى مقترحة، فقال لي: لا، هذا عنوان غير موفق، وكدتُ آخذ برأيه.
خلال زيارته تحدّثنا في مواضيع كثيرة، وسألته مرة عن أحد الكتّاب المصريين فقال لي: لا تسألني عن أوضاعه المزرية، فثمة كاتب آخر يتحكّم في حياته بحيث يمكن أن أدعوه «طفل الممحاة»! فالتفتّ إليه وقلت: الآن اقتنعتُ بالعنوان.
ولهذا يمكن القول إن العنوان جزء أساس من عمل الكاتب وهو حقّ له، تماماً كنص كتابه أو قصيدته، لأن العنوان نصّ، بل نصّ في غاية التكثيف، ولا يجور السّطو عليه تحت أي ذريعة، وأستثني هنا المقالات التي تستعير عناوين كتب وتضع هذه العناوين بين هلالين.
ذات يوم بعيد، قرأت في دليل إحدى القنوات أن هناك مسلسلاً بعنوان «رجال في الشمس» فانتظرته على أحر من الجمر، آملاً أن المسلسلات بدأت تتحسن، بحيث ينهض أحدها متكئاً على «رجال في الشمس» ولكنني حين شاهدت مقدمة المسلسل أصبت بإحباط شديد، حيث لا يمتُّ العمل بصلة، لا إلى غسان ولا إلى كتابات غسان أبداً، ولكن كل ما فعلوه أنهم سرقوا العنوان؛ وينطبق الأمر على سرقة عنوان الرواية الشهيرة والمسلسل المأخوذ عنها «طيور الشوك».
وبالتأكيد كل من يقرأ، يعرف الرواية الصغيرة الرائعة «صمت البحر» للفرنسي «فركور» التي كتبتْ خلال الاحتلال النازي لباريس، وكانت توزع كمنشور، وتحولت في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي إلى فيلم سينمائي جميل، ولكنك تفاجأ برواية عربية تحمل العنوان نفسه: «صمت البحر».
في السنوات الأخيرة بتّ ألاحظ جرأة كبيرة في السّطو على العناوين، أحياناً بإحداث تغييرات هامشية وأحياناً بسرقتها كلها، وما يغيظ أكثر فأكثر أن سارقي العناوين يستخدمونها أحياناً في أعمال هابطة.
منذ أشهر عرفتُ، مصادفة، بصدور كتاب يحمل اسم كتاب لي، عنوانه «هزائم المنتصرين» رغم صدور الطبعة الأولى من كتابي عام 2000، ثم طبعاته المتلاحقة، والعنوان هنا ليس عنواناً فقط، بل موضوع، وتأمل فكريّ لحالة من حالات البشر الشائكة، عبر فصوله كلها.
طبعاً لن نتحدث عن التغيير الطفيف! الذي يحدث في بعض العناوين، فإذا كانت هناك رواية اسمها «حارس المدينة الضائعة» يخرج عليك أحدهم بمجموعة قصصية اسمها «حارس الأوهام الضائعة» أو حين يطلق اسم «رجال تحت الشمس» على فيلم سوري مأخوذ عن عنوان رواية غسان، ويتحول «البحث عن وليد مسعود» لجبرا إبراهيم جبرا إلى «البحث عن سيد مرزوق» وسنتساهل بالتأكيد مع عنوان فيلم وثائقي فلسطيني عنوانه «نساء في الشمس» لأن الغرض من العنوان مختلف هنا، وآخر ما حدث معي أن كاتباً شاباً أعلن عن روايته الجديدة، في معرض القاهرة الأخير للكتاب، وجاءت بعنوان «حرب القهوة الثانية» مستعيراً، بطريقة غير جميلة، في ظني، عنوان «حرب الكلب الثانية».
وبعد:
أي ثقة يمكن أن تقرأ فيها نصّ الكتاب بعد ذلك، حينما يكون العنوان مسلوباً؟

القدس العربي