• 4 آب 2021
  • أقلام مقدسية

 

 

 بقلم : إبراهيم نوار

 

ستظل المفاوضات فكرة عملية لها جدواها على أجندة السياسيين المعنيين بالقضية الفلسطينية، طالما أن هناك ما يمكن التفاوض عليه فإذا تلاشى أو انقضى فإن مبررات التفاوض ستنقضي وتزول. ومن الملاحظ تاريخيا أن ما يمكن التفاوض عليه بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد انكمش كثيرا منذ قرار التقسيم، ثم بعد مبادرة روجرز، ثم بعد كامب ديفيد، ثم بعد مدريد، ثم بعد أنابوليس، وما يزال ينكمش. في كل محطة من محطات الصراع والتسوية خرج الفلسطينيون، في وضع أسوأ مما كانوا عليه، وهو ما أنتج أرضية خصبة لحالة من اليأس السياسي. تفسير الحالة الراهنة لا يعود فقط إلى التعنت الإسرائيلي والتوسع المدفوع بكل إمكانيات القوة المتاحة بمساندة الولايات المتحدة، لكنه يعود أيضا إلى حقيقة أن القيادة السياسية الفلسطينية تعيش حالة ارتباك بين ميل شديد للمزايدة، وبين غياب رؤية استراتيجية للعلاقة مع إسرائيل، ويترافق ذلك مع انخفاض مستوى التأييد العربي.
الإشارات من واشنطن ورام الله وتل أبيب تفيد بأننا نخطو نحو جولة جديدة من المفاوضات بين السلطة الوطنية الفلسطينية وبين الحكومة الإسرائيلية، لكن الغموض يحيط بموضوعات المفاوضات، واحتمالات التوصل إلى حلول عملية، خصوصا وأن السياسة الأمريكية تجاه عملية السلام، تقدم أولوية منع نتنياهو من العودة إلى الحكم، على ما عدا ذلك من أولويات، ومن ثم فإنها لن تقبل بأن تبدأ تسير المفاوضات في طريق يؤدي إلى انشقاق الائتلاف الوزاري الهش القائم، لأنها تعلم أن سقوط هذا الائتلاف يمهد الطريق لعودة نتنياهو. ولذلك فليس من المتوقع أن تتخذ الولايات المتحدة موقفا قويا ضد إقامة بؤر استيطانية جديدة في جنوب الضفة الغربية، أو حول القدس أو غور الأردن. ومن ثم يتعين على القيادة الفلسطينية أن تجد طريقا يحد من قدرة إسرائيل على خلق حقائق جديدة على الأرض تأكل ما يمكن أن يتفاوض عليه الفلسطينيون.

وعلى الطريق إلى المفاوضات كان الاجتماع الوزاري الذي تم في الأسبوع الماضي في القدس، بمبادرة من عيساوي فريج وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي، وضم وزيرة حماية البيئة ووزير الصحة الإسرائيليين، مع نظيريهما من الجانب الفلسطيني. وكان هذا هو اللقاء الوزاري الأول بين الجانبين منذ أبريل/نيسان 2014. ويعتبر هذا اللقاء الذي تم في القدس، خطوة عملية ضمن إجراءات بناء الثقة التي اقترحها المبعوث الأمريكي هادي عمرو تمهيدا لاستئناف المفاوضات السياسية.

تحديات المفاوضات

الاستعدادات لأي مفاوضات مقبلة يصطدم بالعديد من العقبات على الجانب الفلسطيني، حيث يوجد نزاع بين السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله، وبين سلطة «حماس» في غزة، كما تعاني السلطة من ضعف خطير في شرعيتها، بعد تعليق الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في مايو/ايار، والرئاسية التي كانت مقررة في نهاية يوليو/تموز. ومن ثم فإن تشكيل وفد تفاوضي يمثل الفلسطينيين سيكون مهمة شاقة في كل الأحوال. وربما يكون ذلك هو أسهل التحديات، لأن التحدي الأكبر يتمثل في العمل على بلورة استراتيجية مقبولة تجمع كل ألوان الطيف الفلسطيني، وتشكل حائطا منيعا ضد احتمال نشوب اقتتال داخلي بسبب التناقضات الحادة في الرؤية داخل المعسكرات الفلسطينية المختلفة، التي تصل إلى حد رفض القرارات الدولية من جانب المعسكر الإسلامي، والاختلافات داخل منظمة التحرير الفلسطينية حول تفسير تلك القرارات، والحدود التي لا يجب أن تتجاوزها المفاوضات. التوصل إلى رؤية فلسطينية مشتركة مهمة شاقة، لكنه لا يمكن التقدم بدونها على طريق التسوية السياسية.

استرجاع ما ضاع

وتصطدم محاولات بلورة استراتيجية سياسية للفلسطينيين، بتضارب وجهات النظر، بين أولوية استرجاع ما ضاع من أراض وممتلكات الشعب الفلسطيني من ناحية، وبين الضرورة الملحة لوقف التدهور ومنع التعرض للمزيد من النزيف والخسائر المادية والمعنوية. ومن المهم التأكيد على أن استراتيجية المفاوضات يجب أن تكون على استعداد للتوصل إلى حلول عملية، وليس لتحقيق أهداف الحد الأقصى، أو التوصل إلى حلول مثالية، مع التسليم بأن النتائج النهائية للمفاوضات تعكس القوة النسبية للأطراف، وإمكانات الضغط الإقليمي والخارجي. ومن الضروري تجنب الخلط بين السياسة والدبلوماسية، فالأولى تسعى إلى تغيير الواقع، أما الثانية فإنها تتعامل معه. وتمثل المفاوضات إحدى أهم أدوات الدبلوماسية التي يجب أن نتذكر دائما أنها «فن الممكن» في إطار ظروف محددة، وهي تعكس توازن القوى القائم ولا تستطيع أن تتحداه، وهدفها هو الحيلولة دون تدهور الوضع القائم إلى وضع أشد خطورة. ولذلك فإنه من الخطأ الاعتقاد بأن هدف المفاوضات هو «استرجاع كل ما ضاع» لأن هذا من شأنه أن يشعل نار المزايدات السياسية بين الفلسطينيين. ولتحقيق الحد الأقصى من المكاسب في المفاوضات يتعين استخدام كل أوراق الضغط والحوافز الممكنة من أجل التوصل لاتفاق ناجح.
وفي حال الاتفاق على استئناف المفاوضات، فإن الفلسطينيين سوف يصطدمون بالرؤية الأمريكية الجديدة، التي أعلنها جوزيف بايدن بعد حرب غزة الأخيرة، بقوله إنه لن يكون هناك سلام «حتى تعترف المنطقة، اعترافا كاملا صريحا لا لبس فيه، بحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية مستقلة» وهو ما يضع المفاوضين الفلسطينيين أمام عقبة كبرى، هي قانون «يهودية الدولة» وما يمكن أن ينطوي عليه من تداعيات تؤثر سلبا على مستقبل حوالي مليوني من فلسطينيي الداخل يمثلون 21 في المئة من سكان إسرائيل.

حل الدولة الواحدة

قد يدفع البعض على الجانبين بأنه إذا استحال حل الدولتين، فلن يكون هناك خيار إلا حل الدولة الواحدة، على أساس أن الخطاب السياسي للإدارة الأمريكية الحالية يتضمن «أن الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني يستحقان الحصول على معايير متساوية في الأمن والحرية والفرص والعيش بكرامة» والاعتقاد بأن ذلك ممكن في إطار دولة واحدة. هذا الدفع يواجه معارضة شديدة من الأغلبية اليهودية في إسرائيل، وكذلك من أغلبية منظمات الحركة الصهيونية العالمية. وقد ناقش ديفيد ماكوفسكي هذا الدفع في مقال نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط في يونيو/حزيران الماضي، وأعادت نشره صحيفة جيروساليم بوست (21 يونيو/حزيران) وصف فيه حل الدولة الواحدة بأنه وصفة لـ «حمام دم لا نهاية له» ونفى أن تكون إدارة بايدن على استعداد للمضي فيه، لأن منطقة الشرق الأوسط من وجهة نظره، لا تتمتع بوجود تقاليد ديمقراطية، ولم تتجاوز عصر ما بعد الطائفية الدينية، وأن الحروب التي تنشب فيها لا نهاية لها، وأن مجتمعاتها بشكل عام ليست مستعدة حتى الآن لقبول أو احترام حقوق الأقليات. وكتب ماكوفسكي «حيثما يتم فرض نظام مركزي (في إحدى دول المنطقة) بواسطة مجموعات طائفية أو عرقية مختلفة، فإن النتيجة تكون صراعات مستمرة» وتساءل: «هل ما يحدث في سوريا ولبنان والعراق هو ما نريده لمستقبل الإسرائيليين والفلسطينيين؟» واستنتج في نهاية المقال بأن حل الدولة الواحدة يعني تحول الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني إلى صراع داخلي في دولة يختلف سكانها في الديانة واللغة والتجربة (السياسية والتاريخية) وهو ما يمثل كابوسا حقيقيا.
ويعبر مقال ماكوفسكي عن وجهة النظر الغالبة داخل المؤتمر اليهودي العالمي، وعن وجهة نظر قطاع كبير من المهتمين بشؤون الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، وهو ليس وحده في هذا السياق، فهناك العديد من الدراسات التي تعرضت لمستقبل التسوية السياسية، وناقشت فرضية جدواها على أساس حل الدولة الواحدة أو الدولتين، من أهمها الدراسة التي صدرت عن مؤسسة كارنيجي ومعهد بيكر للسياسة العامة عام 2018، التي أشرف عليها وشارك في إعدادها ادوارد جيريجيان ومروان المعشر وناتان براون، وهي الدراسة التي كشفت بما لا يدع مجالا للشك أن القضية الفلسطينية تواجه تحديات ضخمة، سواء على أساس حل الدولتين أو الدولة الواحدة، وأن أي تقدم على مسار التسوية، يتطلب أولا توفر القدر الضروري من الإرادة السياسية والرغبة في العيش بسلام بين الشعبين. وعلى الرغم من ضياع الكثير من الفرص في مفاوضات سابقة، فإن الظاهرة التي يجب التأكيد عليها هي أن التعثر في المفاوضات وتوقفها، قابله على النقيض من ذلك استمرار إقامة مستوطنات إسرائيلية جديدة. ومن ثم فإن مباراة السباق بين المفاوضات والاستيطان ستظل قيدا على النتائج الممكن تحقيقها للحصول على المقدار الكافي للقبول من الطرفين.
وتشير التطورات الأخيرة منذ تعيين هادي عمرو مبعوثا أمريكيا لشؤون التسوية السياسة، أن واشنطن تعطي أولوية لبناء حقائق حياتية جديدة لتحسين ظروف معيشة الفلسطينيين، وتأجيل موضوع المفاوضات حتى تنضج ظروف انعقادها ونجاحها. لكن ذلك النهج لا ينبغي أن يصرف الفلسطينيين عن أهمية تطوير استراتيجيتهم التفاوضية، التي تمنع استمرار انكماش أو ضياع ما يمكنهم التفاوض عليه.

 القدس العربي