• 7 آب 2021
  • أقلام مقدسية

 

 

 بقلم : سعادة مصطفى ارشيد

 

  قامت الحياة الاجتماعية قديما على مستلزمات البقاء و ضروراته , التي لا يستطيع الإنسان الفرد تأمينها لوحدة , و تشكلت مع التقدم الإنساني اثر ذلك مؤسسات مجتمعية بسيطة أخذت في التطور إلى أن وصلت إلى مرحلة الدولة الصغيرة , ثم إلى الدولة القومية و التي لا زلنا نؤمل و نعمل على بلوغ مرحلتها .

ترافق وجود الدولة قومية كانت أم وطنية مع وجود مؤسسات رديفه , اجتماعية , اقتصادية , و سياسية لها دور مشارك مع الدولة في إدارة شؤون المجتمع , و لكن مع بقاء الدولة المؤسسة الأم و الأشمل و التي تمثل الوعاء للجميع , و تدافع عن المصالح العامة من ارض و مجتمع و اقتصاد و ثقافة و قيم و حدود , و هي التي تضع بالاشتراك مع المؤسسات المجتمعية الرديفه , الدساتير و تسن القوانين الناظمة للجميع .

أدى التطور الاجتماعي للوصول إلى دولة المواطنة , و إلى استبدال الهياكل و المؤسسات الاجتماعية القديمة – البسيطة , بما هو أكثر تطورا و حداثة , فبدل مؤسسة العشيرة و القبيلة و الطائفة و الزقاق , أخذت الناس تنتظم على شكل نقابات مهنية لأصحاب الصنائع , و المتحدات الجزئية كالمدن و القرى في مجالس بلدية و قروية , و أنشأت منتديات المثقفين و نوادي للرياضيين و أحزاب للمشتغلين بالشأن العام .

في سابق العصر و الأوان مثلت القبيلة و العشيرة خط دفاع عن أبنائها المنتمين إلى جد مشترك و من يشاركهم العيش كموالي , وجدوا في العشيرة ملاذا لحمايتهم , العشيرة تدافع عن أبنائها , و تصون مراعيهم و موارد مياههم من الغرباء , و تأخذ بثأرهم و تنصرهم ظالمين كانوا أم مظلومين , في حين شكل الانتماء للحزب السياسي شكلا أكثر تحضرا , فالأحزاب تنشا بموجب القانون , يتفق المنتسبين إليها على عقيدة مشتركة و – أو برنامج سياسي , شامل في نظرته للمجتمع و حاملا تصور لإدارة الشأن العام , فلا شيء يمكن  يجمع أكثر من الاتفاق في الرأي .

في عصر الدولة الوطنية في بلادنا , أخذت العشائرية تتراجع و لم يبقى منها ظاهرا إلا بعض المظاهر الايجابية المتعلقة بالتكافل الاجتماعي و فعل الخير العام , إضافة إلى المشاركة في مناسبات الأفراح و الأتراح , فيما تقدمت الدولة و قوانينها لتصبح الناظم و الفيصل في أية حالة نزاع على قاعدة المواطنة و التساوي بين الناس غير آخذة في الاعتبار عشيرة أو مذهب أو منطقة , و إذا أخذنا العراق مثالا , فمن منا قبل الاحتلال الأمريكي كان يعرف أو مهتما – إلا صدفة – أن وزير الخارجية العراقي الكفء طارق عزيز كان كلدانيا ا وان وزير الإعلام الصحاف شيعيا , و أن ذلك الوزير تركمانيا أو كرديا , أنهم وزراء عراقيون و كفى , و لكن الاحتلال الأمريكي فور قدومه نشر هذه الثقافة و لجأ للطوائف و الاثنيات و أقام من عشائر كنا نظن أنها أصبحت جزء من تاريخ قد انقضى جيش الصحوان و ذلك على حساب الدولة المركزية و مجتمع المواطنة , في حين تهاوي الحزب الحاكم القوي الذي كان ينتمي إليه الملايين و أصبح أثرا بعد عين , و اثبت أنه لم يستطع أن يمؤسس ثقافة المواطنة شانه شان الأحزاب الشمولية التي عندما تصل للسلطة يتم تهميش عقائدييها و مناضليها لصالح أجهزة أمنية و انتهازيين لا يرون في الحزب أكثر من قنطرة للوثوب إلى السلطة و مغانمها .

العشائرية أخذت تطل برأسها من جديد , مترافقة مع ظواهر التخلف و العنف و التكفير و التوحش الأخرى , ما جرى في لبنان في مطلع الأسبوع , و ما قيل عن عشائر لها مجلسها و تصدر بياناتها , أمر يستحق التوقف عنده طويلا , كاتب المقال الذي يفترض انه يعرف لبنان جيدا , لم يسمع قبلا بوجود عشائر عربية  في خلده أو بيروت من قبل  هياكلها التنظيمية و مجالسها و قوانينها الخاصة  , و في غالب الأمر يشاركه عدم المعرفة هذه كثير من سكان بيروت , من الواضح من سياق ما جرى , أن هذه العشائر لم تنخرط في المتحد الاجتماعي حيث تعيش , و أنها قد أخذت لبس لبوسا طائفيا و تعادي حزبا من طائفة أخرى على قاعدة مذهبية طائفية , و هي تتلقى الدعم من دول مشغله لها ذات بنية عشائرية , تحب أن تعممها , وتجد قواسم مشتركة معها , و هذا الدعم سواء كان مباشرا أو عبر أدوات لبنانية له توظيفه , و مطلوب منه أن يكون بيئة حاضنة لجموع من التكفيريين الهاربين من الشام , مطلوب إعادة موضعتهم في لبنان و تحديدا على طريق الجنوب و ما بين الضاحية الجنوبية و بيروت , و ذلك  لحين لزومهم الذي لا يبدو بعيدا .

الأردن بدورة , قام داخليا على أساس عقد اجتماعي وضعه الآباء الأوائل في مطلع عشرينات القرن الماضي , يضع الدولة و العرش الطرف الأول و الأقوى و تقدم العشائر ولائها لهم , و تلتزم بسيادة القانون –  والدستور فيما بعد - , هذا العقد بقي ثابتا و أن كان قد تعرض لهزات في غالبها اقتصادي , كرفع الدعم عن الخبز , ومدينة  معان الجنوبية مثلا على ذلك , فكان الملك الراحل يقطع زياراته للخارج عند أي توتر من هذا النوع و يسارع بالعودة و زيارة المناطق المحتجة و ينتهي الأمر بتسوية مرضية للطرفين و لكن مع سيادة القانون , لكن في العقد الأخير أطلت هذه العشائرية بأظافر و أنياب حداد , تتطاول بها على الدولة , و تثبت تفوقها على القانون العام و استخفافها به , و مع سوء الأداء الرسمي و عدم معالجة هذه الظاهرة أصبح للعشائر مكتسبات , من شانها الإضرار بالعقد الاجتماعي الذي قامت عليه السياسة الداخلية للدولة , و كان لذلك دور في إنهاك البلد ووصولها إلى الحافة السياسية و المالية .

في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية , حصل حادث قتل قبل أسبوع , و بغض النظر عن ملابسات و أسباب القاتل , إلا أن الجريمة وقعت و أن روحا قد أزهقت و أن جسدا قد أصبح تحت التراب , أصدرت عشيرة القاتل بيانا , تبنت به عملية القتل و فاعلها , و أكدت على أن القتل كان باسم العشيرة معددة أسبابها و مبرراتها , و ردت عائلة القتيل ببيان مضاد , و تذكر هذه البيانات بصيغتها  بما كان يصدر عن فصائل العمل الوطني في السبعينات عندما كانت تتبنى عملية فدائية .

غابت السلطة عن الحدث , و اكتفت بالطلب من العشيرتين بضبط النفس , و لكن العشيرتين لم تستجيبا لذلك الطلب , فتم إحراق عشرات المنازل و مثلها من المحال التجارية , و ظهر مسلحون بيدهم أسلحة عشائرهم و أطلقت النار على المنازل و أصيب بالرصاص من أصيب , لم تحضر السلطة أو مسئوليها و إنما قامت بالاستنجاد بأحد شيوخ العشائر المعروفين ليتدخل و يعقد هدنة بين العشيرتين , تمهيدا لبحث المشكلة و محاولة إيجاد حل لها , و تردد أن بعض من أهل المدينة قد ناشدوا الملك عبد الله بالتدخل , و أن سفير الأردن في رام الله قد اجري اتصالات مع الحكومة ( الإسرائيلية ) بهدف الحصول على تأشيرات دخول لمجموعه من شيوخ العشائر الأردنية لذات الغرض , فيما وصل الاثنين الماضي بعض مسئولي السلطة للمدينة بمعية الشيخ العشائري .

يعني ما تقدم و على المستوى القومي لا المحلي فقط , أن السلطات و الحكومات تتخلى عن دورها لصالح العشائر , و أنها لم تعد ترى أن المواطنة هي الأساس و إنما الأساس الانتماء إلى العشيرة , و أن الحكم بين الناس ليس القانون و إنما مجموعه من الأعراف الشفوية القديمة , و يعني أيضا , انتهاء النظرة المدنية للدولة , انه مظهر من مظاهر الفشل و أمر إن لم يتم تداركه , فانه خط فاصل بين مرحلة و مرحلة بملامح بالغة الوضوح و باتجاه الطلاق البائن مع المواطنة و الحياة المدنية .