• 12 آب 2021
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : سعادة مصطفى ارشيد

 

يحتاج نفتالي بينيت رئيس وزراء ( إسرائيل ) الهابط من عالم الإعمال و التجارة إلى عالم السياسة , أن يبدو بمظهر قوي , قادر على الاشتباك و تحقيق انتصارات عزيزة و بعيدة عن قدراته , و هو قد استلم الحكم من بن يامين نتياهو المتمرس و الذي استطاع حفر اسمه عميقا في تاريخ دولته القصير , بما يملك من دهاء و قدرات استثنائية , و ها هو مستمر في دوره كزعيم للمعارضة , قادر على نصب الكمائن و احاكة المؤامرات بهدف إسقاط خصومه الكثر , الذين لا يجدون ما يجمعهم سوى رغبتهم في اخراجه من عالم السياسة سواء كرئيس وزراء أو كزعيم معارضة , و من جانب آخر , فان الأغلبية البرلمانية الداعمة للحكومة هشة و هزيلة و قابلة للسقوط إن خرج عضو واحد من التحالف , لا بل و ان غاب عن جلسة برلمانية بدواعي المرض أو السفر أو حتى أن تأخر بسبب أزمة سير , و الدعم الذي يتلقاه بينيت من الإدارة الأمريكية على أهميته للبقاء , و كيديتة المفرطة تجاه نتياهو, إلا انه غير قادر على رسم صورة الزعيم القوي . 

حاول بينيت الدفع باتجاه الاشتباك مع إيران متخذا من حوادث السفن ذريعة لإقامة تحالف انجليزي – أمريكي – ( إسرائيلي ) و بالطبع عربي , و لكن الإدارة الأمريكية كان لها رأي آخر , فهي تريد الابتعاد عن المنطقة و مشاكلها و التركيز على الصين و بحرها و طريق حريرها السياسي و الاقتصادي , و هي ترى أن عدم الوصول إلى اتفاق مع إيران , أمر يضر بخططها الإستراتيجية , فيما الوصول إلى كلمة سواء و صيغة مقبولة للتعامل مع إيران أمر بالغ الضرورة , خاصة لدرء مخاطر تحول إيران و انفتاحها بشكل واسع على الصين و روسيا و كوريا الشمالية , فكان لا بد لنفتالي بينيت ان يبتلع أقواله و اتهاماته , و معه الانجليز الذين تخلوا عن حذرهم التقليدي و بالغوا في حماستهم للمواجهه مع إيران  , و لكن ذلك أمر لم تدركه حتى ألان بعض فضائيات الخليج مثل العربية و الحدث و مثيلاتهما , التي لا زالت تنفخ في نار المواجهة .

 رأي بينيت أن لديه فرصة في لبنان , فالوضع الداخلي قد بلغ مرحلة حرجة من التدهور , تشكيل الحكومات يتعذر و يتعرقل بفعل داخلي و ضغوط خارجية , و تحقيقات قاضي تحقيق تفجير المرفأ تثير من الغموض أكثر مما تكشف من حقائق , و في مشاريع الفتنة و الشقاق أخذت تصدر عن مرجعيات دينية – طائفية عليا , كان آخرها ما صدر عن بكركي , و سعر صرف الليرة ينهار برعاية حاكم مصرف لبنان و دولته المالية العميقة , و قد أوصل اللبنانيين إلى حدود العوز و الفاقة , فيما نفذت الأدوية و المستلزمات الطبية من سوق الدواء بعد أن توقف استيرادها بسبب عدم توفر النقد الأجنبي , و الإشكالات اليومية غير البريئة تؤذن في حال لم تتم محاصرتها من فورها بالتطور نحو اشتباك واسع قد يصل إلى الحرب الأهلية , كما حصل في الشمال و خلده و شوبا , مجموع هذه المعطيات جعلت من بينيت يفكر بتجريب حظه مع لبنان و مقاومته , و يفترض أن بإمكان جيشه  الاشتباك مع إيران من هذه الخاصرة , و أن باستطاعته أيضا العودة إلى مرحلة ما قبل حرب  2006 , عندما كان الإسرائيلي  يملك القدرة على توجيه ضرباته إلى لبنان عند كل حاجة أمنية أو سياسية , أو حتى عند أي شعبيه انتخابيه مؤقتة  , و ذلك عندما يفرض قواعد اشتباك جديدة من موقع القوي , بدل قواعد الاشتباك المعمول بها منذ أكثر من عقد و نصف .

 اخذ بينيت قراره , و أخذت المقاومة إجراءها التحذيري , و النتيجة أن الاشتباكات بين المقاومة اللبنانية و ( إسرائيل ) بقيت محدودة و القصف المتبادل على جانبي الحدود طال مناطق غير مأهولة , و أرست المقاومة في نهاية الاشتباك بردودها الحاسمة قواعد الاشتباك المعمول بها , يضاف إلى ذلك أن الإدارة الأمريكية , و أن كان لا مانع لديها من تغيير قواعد الاشتباك لصالح ( إسرائيل ) و ربما ترغب في ذلك , إلا أن لديها كما ورد آنفا , ما يدعوها لان تكون راغبة عن هذا التوتر , ثم ترى أنها مطمئنة إلى تموضعها الجديد , و بما صنعت من عوامل اقتتال داخلي و ما زرعت من صواعق تفجير في بلادنا  , كفيلة بظن الإستراتيجية الأمريكية على  إبقاء المنطقة غارقة في صراعاتها التي تحول دون قيامها بأي فعل ايجابي لصالح قضاياها الكبرى و أمنها القومي .

 لما كان نفتالي بينيت قد فشل في استغلال حادث السفينة , و فشل في تغيير قواعد الاشتباك مع لبنان و مقاومته , فهل يجد ضالته في غزة ؟ و هي التي خسرت جزئيا مع خسارة حركة النهضة موقعها في تونس , و لا تجد حماسا عاليا لدى الأتراك مؤخرا , و لا يعطيها حليفها القطري أكثر من حقيبته الشهرية , و لم تستطع أن تحول انتصارها في حرب سيف القدس إلى انجازات على الأرض , فيرفع الحصار عنها , و تصلها الكهرباء و وقودها , و يعاد اعمارها , و غير ذلك مما تعهد به الوسيط المصري الذي لدغ غزة و مقاومتها لا مرتين فحسب  .