• 16 آب 2021
  • أقلام مقدسية

 

بقلم الباحث:  فـــوّاز إبراهيـــم نــزار عطيـــة

 

أستهل مقالتي مقتبسا بعض نصوص المواد الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الانسان، المعتمد من الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10/12/1948:" الناسُ جميعًا سواءٌ أمام القانون، وهم يتساوون في حقِّ التمتُّع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حقِّ التمتُّع بالحماية من أيِّ تمييز ينتهك هذا الإعلانَ ومن أيِّ تحريض على مثل هذا التمييز"م/7، " و لكلِّ فرد حقٌّ في التملُّك، بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، ولا يجوز تجريدُ أحدٍ من مُلكه تعسُّفًا" م/17، و" ليس في هذا الإعلان أيُّ نصٍّ يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على تخويل أيَّة دولة أو جماعة، أو أيِّ فرد، أيَّ حقٍّ في القيام بأيِّ نشاط أو بأيِّ فعل يهدف إلى هدم أيٍّ من الحقوق والحرِّيات المنصوص عليها فيه" م/ 30.

بموجب هذا الإعلان وبمقتضى نصوص ميثاق الأمم المتحدة، وعلى ما أنبأت عنه نصوص القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، فإنه حقيق على إسرائيل ألا تخرق الشرعية الدولية، كما وأنه حقيق على الولايات المتحدة ألا تتلاعب في نصوص القوانين والمواثيق والعهود والإتفاقيات والإعلانات الدولية، التي من شأن ذلك التلاعب أن يهدد الإستقرار والسلم الدولي.

 الاستيطان والإستيلاء اليهودي للأراضي الفلسطينية بشكل عام والقدس الغربية بشكل خاص، يقوم على نظرة دينية توراتية خاصة باليهود، على زعم بأنها أرض الميعاد والأرض التي وعد الله بها  اليهود، رغم أن نبي الله موسى عليه السلام لم تطأ قدميه القدس واكنافها ولم يكن له أي معلم فيها، بالمقابل هناك وعد ديني لأمة أخرى تتمسك بنصوص ديانتها منذ 1400 عام ويزيد، تتبع منهاج عقائدي بأن رسولها خاتم النبيين والرسل، يتبعه ما يقارب 2 مليار مسلم وهم في زيادة، فلم تبرح الارض ولم تغادر المكان فئة منهم ومازالوا فيها حتى اللحظة، رغم الحروب والحملات التي قامت بها الدول الأوروبية في العصور الوسطى بعد ميلاد المسيح عليه السلام، من الفرنجة قبل 800 عام بإسم الصليب، إلا أن المسلمين بقوا في هذه الديار وعمروها ومازالت آثارهم وحضارتهم منارة لا تطفئ.

كما ويجب ألا ننسى قبل الإسلام، مكث أهل إلياء من النصارى وعرب النصارى في القدس وبنوا الكنائس واتبعوا نهج المسيح عليه الصلاة والسلام وعمروا الأرض، وبقوا فيها حتى يومنا هذا، وإن تمسك النصارى بالقدس نابع عن عقيدة دينية كذلك، فأي الفرقاء أحق بالقدس وفلسطين؟

 هل هم قوم أرسل لهم رسل وأنبياء كُثر آخرهم النبي موسى عليه الصلاة والسلام، الذي أُنزلت عليه التوراة في صحراء سيناء وقيل في اليمن، ويأتي هذا التمسك في القدس واكنافها من قبلهم، على أساس قيام بعض الإنبياء والرسل ممن سبق موسى بمئات السنين، كداوود وسليمان وآخرين عليهم الصلاة والسلام وعبدوا الله في القدس وأمكنة أخرى من فلسطين؟ أم أن القدس وفلسطين للنصارى الذين اتبعوا المسيح الذي بُشرت فيه سيدة نساء العالمين مريم بنت عمران بالناصرة، وولد في بيت لحم ورُفع إلى السماء من القدس، وعقدوا العهدة العمرية قبل 1400عام مع ثان الخلفاء الراشدين؟ أم أن القدس للمسلمين الذين آمنوا بجميع الرسل ممن أُرسلوا قبل البعثة المحمدية عليه الصلاة والسلام، والذين آمنوا كذلك بجميع الكتب السابقة التي أنزلت عليهم، وقالوا لا نفرق بين أحد منهم في العقيدة والإحترام، متبعين النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي كان حنيفا مسلما غير مشرك بالله ؟

 إن إدعاء اليهود لا يقوم على أي استحقاق قانوني أو واقعي أو تاريخي، لأن صلة اليهود بفلسطين قد انقطعت سنة 135 ميلادي عندما طردهم هارديان إمبراطور الدولة الرومانية، واستمروا بعدها منتشرين خارج فلسطين طوال أكثر من ثمانية عشر قرنا، وقد تم التأكيد على هذا الأمر من قبل أعلى السلطات السياسية والقضائية الدولية ممثلة بمجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية، التي أوجدت أن مطالب إسرائيل في الاستيطان والاستيلاء على البيوت الخاصة بالعرب، سواء التي كانت في القدس الغربية أو في مناطق داخل الخط الأخضر غير صحيحة من الناحية القانونية لهذه الأراضي.

لذلك بعيدا عن حقوق العرب في فلسطين تاريخيا، الموثقة بمجموعة من الحقائق المتواترة وهي: الفتحالذي يعد من أحد أقدم وسائل ملكية الإقليم في القانون الدولي، وكذلك التنازل الطوعيوهو أحد وسائل الملكية للإقليم، نتيجة فقد تنازل النصارى بأحقيتهم عن الإقليم لعمر بن الخطاب، وما عرف فيما بعد بالعهدة العمرية، أيضا التقادم، الذي يكتسب بها الإقليم في القانون الدولي من خلال حيازة الارض سنوات طويلة دون انقطاع، بحيث تمكن العرب طوال ثلاثة عشر قرناً المكوث في فلسطين، تأكدت لهم بذلك السلطة السياسية للعرب والمسلمين طيلة تلك القرون السابقة، فإن الادعاءات الإسرائيلية الدينية والتاريخية السابقة، لا أهمية لها عند البحث في مسألة المركز القانوني للإستيلاء والإستيطان، لعدم صحتها قانونا، فإدعاء إسرائيل بأحقيتها على السيادة على الأراضي التي استولت عليها بالقوة في عام 1948، لا يقوم على أساس قانوني لأن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم181أوجد دولة عربية ويهودية في فلسطين، ووضع تصورا لدولة يهودية ذات بعد أصغر، مما استولت عليه إسرائيل في عام 1948،  كما أن اعتراف الأمم المتحدة والعضوية فيها لا يعني بالضرورة الإعتراف بالسيادة على أرض أو أراض تكون موضع نزاع.

لذلك مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يصر على أن المستوطنات والنشاطات الاستيطانية لإسرائيل والاستيلاء على المنازل يؤثر سلباً على وضع الفلسطينيين، كما أن ظاهرة التمييز العنصري الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني من خلال النشاط الإستيطاني والاستيلاء على البيوت، يعد وفق غالبية دول العالم غير شرعي.

من هذا المنطلق، لا يحق لإسرائيل مطالبة السفير البولندي لديها بالبقاء في بلاده حيث يقضي الإجازة هناك، فيما استدعت القائم بأعمال سفارتها في وارسو، على خلفية توقيع الرئيس البولندي قبل عدة أيام على قانون الملكية الذي تعتبره إسرائيل "معاد للسامية"، كما ولا يجوز للصحف العبرية أن تشن هجوما وحربا كلامية ضد بولندا، وحكومتها تمارس أبشع التمييز العنصري ضد كل من هو غير يهودي.

بل ليس من الدبلوماسية بدهاء، أن يخرج أحد المسؤولين الإسرائيلين ويعقب على ذلك القانون بالقول:" بأن البولندين لا يمكنهم الاستمرار في إيذاء ذكرى أولئك الذين لقوا حتفهم، وبأن إسرائيل والشعب اليهودي لن يصمتوا، وأن بولندا  بولندا أصبحت دولة معادية للديمقراطية وغير ليبرالية، لا تحترم أعظم مأساة في تاريخ البشرية، ثم يستعرض القوة العسكرية لإسرائيل".

وبالرغم من أن قانون الملكية البولندي الذي وافق عليه البرلمان ووقعه رئيس الدولة، إذ ورد من ضمن نصوصه:" على أن جميع الدعاوى بخصوص استعادة أملاك التي لم يتم حسمها خلال الثلاثين عامًا الأخيرة سيسري عليها قانون التقادم وستشطب"، وبما أن هذا القانون يهدف إلى الحد من القدرة على رفع دعاوى الملكية والتعويض للناجين من الهولوكوست وأحفادهم.

وبناء على ذلك، حقيق على الدبلوماسية الفلسطينية ألا تستغل هذا الهجوم الإسرائيلي على بولندا، وواجب عليها أن تقف عند مسؤوليتها، وترسل رسائل لجميع دول العالم وبرلماناتها ومجالس حقوق الإنسان، تبين وتشرح فيه غطرسة الإحتلال وتمييزه العنصري وكيله بمكيالين، فكيف لإسرائيل أن تهاجم دولة ألغت مواثيق ومعاهدات واعلانات دولية، في الوقت الذي تمارس فيه إسرائيل ذات الأداة من خلال تشريعاتها التي تصدرعن برلمانها، وتمنع حق العودة لغير اليهودي وتستولي على البيوت والعقارات التي مازالت قائمة في القدس الغربية ومسجلة في الطابو الإنكليزي بأسم أصحابها من العرب؟ وكيف لإسرائيل أن تُشرع من خلال القوانين حق التملك لكل من يحمل الجنسية الإسرائيلية فقط في القدس الغربية ومناطق عام 1948؟ و كيف لإسرائيل أن تسن تشريعات بذات النسق والسياق الذي تنتقض فيه بولندا، وتحرمنا من أبسط حقوقنا في التملك والاستفادة من أملاك اجدانا في القدس الغربية دون مراعاة لواقع النكبة وأثرها النفسي علينا.

فهل سيقرأ مقالتي السيد وزير خارجية إسرائيل، وسيسمح لي بالسكن في بين جدي لأمي في حي البقعة والتمتع بأمواله التي تركها نتيجة التهجير القسري عام 1948 بصفتي أحد الورثة؟ وهل سيطلب من دائرة تسجيل الأراضي في القدس الغربية أن يتم تسجيل اسمي في الطابو بصفتي حفيد لجدي من ضمن ورثته؟ وهل سيطالب الولايات المتحدة للضغط على الكنيست الذي كان عضوا فيه كمعارض واليوم وزيرا للخارجية في حكومة اسرائيل للإلغاء القوانين العنصرية ضد العرب!؟ أم أن السامية ملصة باليهود دون عرق آخر وفق معتقدات كثير من حاخامات اليهود وما ينشروه في مجتمعهم، وللأسف غالبية المجتمع الإسرائيلي يصدق ذلك دون تدبر وتفكر!