• 21 آب 2021
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : سعادة مصطفى ارشيد

 

لم يعان  فاتح العالم ,  الإسكندر المقدوني في حروبه مثل ما عانى من حروبه  في أفغانستان , التي قضى بها سنتين كاملتين من عمره القصير, دون أن يحقق أي انجاز , و خسر من جنوده في جليد جبال هندوسك ثم في صحاري شمالها القاحلة , و على أيدي المقاتلين من رجال قبائلها أكثر مما خسر في أي مكان آخر , إلى أن غادرها و لم يربح سوى عروسته الجميلة الشهيرة روكسانا , و قبيل انطلاق الموجة الثانية من الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان , أرسل الخليفة الرسل للبلاد التي تقرر فتحها ليزودوه بأخبارها ( تقارير استخباريه ) , و عندما عاد رسوله من بلاد قندهار ( افغانستان الحالية ) , قدم للخليفة الوصف التالي  : بلاد , سهلها جبل , و ماءها وشل , و ثمرها دقل , و عدوها بطل , و خيرها قليل , و شرها طويل , و الكثير فيها قليل , و القليل بها ضائع , و ما ورائها شر منها , فقال له الخليفة : أخابر أنت أم ساجع ؟ , قال : بل خابر , فأمر الخليفة أن لا يغزوها احد من المسلمين قط , إلى أن دخلها الإسلام بالدعوة  .

في عام 1839 , أرادت إنجلترا و ذراعها الاقتصادي في حينه –  شركة الهند الشرقية احتلال أفغانستان و ضمها لمستعمراتها الهندية , و فشلت الحملة فشلا غير مسبوق , إذ أبيد الجيش الانجليزي عن بكرة أبيه , و لم يعد منه إلا احد أطباء الجيش , أو احد الطباخين ليروى ما حصل من اهوال , حاول الانجليز إعادة الكرة مرارا دون تحقيق أية نتائج , حتى أن نائب الملك في الهند اللورد كيرزون قال لمجلس العموم الانجليزي : أن شراء أفغانستان في حال حصل سيكون أوفر من احتلالها .

في عام 1979 جرب الاتحاد السوفيتي حظه في أفغانستان , و النتيجة انه هيبته انكشفت و بان ضعفة الداخلي , ثم خسر نفسه  وحدته و تحطم نهائيا , و ما لبثت ان  لحقت به  الولايات المتحدة عقب تفجير برجي التجارة في نيويورك , و صنفت حركة طالبان باعتبارها حركة إرهابية , و صرفت مقادير لا عد لها من الدولار في محاولة صناعة أفغانستان جديدة , و النتيجة أنها سلمت البلد بعد عقدين من الزمن للجماعة التي أعلنت حربها على أفغانستان للتخلص منها , فما الذي جرى ؟

احتل الأمريكي أفغانستان و هو يشعر بالزهو و القوة و القدرة على تحقيق ما فشل الروسي في تحقيقه , و ظن بانت يعرف جيدا من دعمهم و دربهم لمقاتلة الروس , و انه من خلال معرفته هذه ستتوفر لديه  ألقدره  على العبث بهم و تشغيلهم وفق أجنداته , خاض المعارك , و صنع الزعامات , و النتيجة أن بضاعته ردت إليه , فمن علمه الرماية رماه بسهامه , و من علمه هجاء الاتحاد السوفيتي نال من هجائه فوق ما نال الروس , درب الأمريكان ما بين 300 ألف إلى 400 ألف جندي و ضابط  ليعملوا في خدمة مشروعهم , و بددوا تريليونات الدولارات , و لكنهم أدركوا متأخرين أن لا بد مما ليس منه بد , إلا و هو التعامل مع الواقع الأفغاني المتمثل  

بحركة طالبان , هذه الحركة التي انطلقت من الطلاب الأفغان صغار السن الذين يدرسون في معاهد بيشاور الباكستانية , كان لا بد لطلابها أن يكبروا و يمتلكوا التجربة و الخبرة و المعرفة بالسياسة حسب قواعدها , هذه الحركة التي لا زالت تصنفها الإدارة الأمريكية كحركة إرهابية و تحظر على الآخرين التعاطي معها , و لكنها استدرجتها و أدخلتها بالتجربة الصعبة ,  من خلال السماح للحليف القطري الجاهز دائما لتقديم الخدمة باستضافة عدد منهم في الدوحة , حيث تم بشكل سلس إعادة تاهيلهم , و تعويدهم على متع الحياة العصرية و أنماطها , و طرق عيش المجتمعات الحديثة , الأمر الذي بدا جليا في التصريحات السريعة لقادتها , و التي تكشف عن توجهات اجتماعية و اقتصادية , تختلف بها عما هو معروف عنهم في تجربتهم الأولى , عندما فرضوا على الأفغان تفسيرات بالغة التشدد للشريعة الإسلامية  , فتصريحات اليوم تتحدث عن  الديمقراطية , حقوق المرأة , و عن الازدهار الاقتصادي و انماط التجارة الحرة , و إعادة تأهيل من بقي ممن تعامل مع الأمريكان في العقدين السابقين , أو من بقي منهم بعيدا عن أيدي الدهماء التي فتكت بقسم منهم , و نهبت البلد و عاثت فيه فسادا في فترة فراغ السلطة , و في مشهد لا ينسجم مع رومانسية الثورة  .

المفاوضات قادت أن يغادر الأمريكي أفغانستان  بعد ثلاثة شهور , لتتفرغ للصين و بحرها و يقطع طريق حريرها , و لتوقف حالة الاستنزاف التي بدت لا نهاية لها الا بالرحيل ,  لكن طالبان كانت أكثر حذرا و استعجالا من أن تمنح الأمريكي مثل هذا الوقت , فاختصرته بأيام قليلة , كانت خلالها الرئاسة و الحكومة و الولايات و حكامها و الجيش العرم و ضباطه يسقطون تباعا اثر مكالمات هاتفية , و فيما كان الأمريكان يغادرون او يهربون بعد إتلاف أوراقهم و وثائق سفارتهم  , شاهد العالم  أمرا أكثر بؤسا و بشاعة من مشاهد الخروج من  سايغون  ( فيتنام ) قبل أربعة عقود , عندما تخلى الأمريكان عن جماعاتهم ( عملائهم ) و تركوهم لمصيرهم المحتوم .

هذا الدرس القاسي لازم لأخذ العبرة والموعظة , ( فمن يتغطى بالأمريكان سيبقى بردان ) , و من يعتقد أن الإرادات الأجنبية هي ما يبقيه في موقعه الحاكم و على حساب مصالح بلاده العليا و أمنها القومي مخطئ , إذ لن يكون أكثر من أجير رخيص يتم التخلي عنه عندما تقتضي حاجة المشغل ذلك , فهل يبعث هذا القلق عند أمراء و ملوك و رؤساء نعرفهم ؟ لا بد و انه يفعل  , خاصة و أن القلق وصل إلى عقل من هو أكثر قربا و دلالا منهم , ( الإسرائيلي ) الذي بدا غاية في القلق و التوتر  , إلى أن رفع شيء من معنوياته مستشار الأمن القومي الأمريكي بتصريح لافت أول أمس الثلاثاء إذ قال : لا يمكن للولايات المتحدة أن تتخلى عن ( إسرائيل ) و تايوان , دون أن يضيف دولا أخرى .

لا تزال الصورة المستقبلية في أفغانستان تعاني من التشويش و انعدام اليقين حول مجريات الأمور في المستقبل , و لكن يمكن طرح سؤال استفهامي سوف يقوم المستقبل بالإجابة عليه : هل ستبقى أفغانستان الطالبانية بعيدة عن الأطلسية الجديد ؟ مع ما تلقته من دعم إيراني  لا زال مستمرا , لا بل انه قد ازداد اثر استثناء إيران من المفاوضات حول مستقبل أفغانستان و هو ما 

حذرت منه الخارجية الروسية ؟ أم أن أفغانستان الجديدة مختلفة و سيبقى الرهان يدور حول انحيازها في المستقبل إلى حلفائها العقائديين – المذهبيين  و مستضيفيها , الذين و إن تباينوا حينا مع واشنطن الا أنهم لن يخرجوا من عباءتها .