• 24 آب 2021
  • أقلام مقدسية

 

 بقلم : سعادة مصطفى ارشيد

 

لا زالت المهمة الأفغانية المستحيلة تراوح في دائرة انعدام اليقين، حول مصير البلد الذي مثلت ثقافة الحرب و الصراع مكونه النفسي – السياسي الأول من فجر تاريخه ، و لا زال من غير المعروف إذا كانت التحولات الأفغانية سوف تذهب باتجاه حداثي ،أي أن تصبح إعادة بناء البلد على غرار الدولة العصرية الحديثة  أم باتجاه أفغاني خاص مع الحفاظ على البلد و أمنه و شعبه و ثرواته و اعتبارها  أولوية  ، أم باتجاه  ارتباطات مع هذا المحور أو ذاك ، دوليا وإقليميا  .

من المؤكد أن السياسة الصينية تؤمن بالمثل القائل : السعيد من اتعظ بغيره ، و الشقي من اتعظ بنفسه ، إذ أن الصين لن تجرب حظها و تذهب بطريق  إنجلترا و شركة الهند الشرقية في أربعينات القرن التاسع عشر ، و لن تكرر الخطأ السوفيتي عام 1979 ، و لن تتورط كما تورطت الولايات المتحدة عام 2002 ، و إنما ستعتمد على قوتها الناعمة ، و على قدراتها التفاوضية في كسب أرباح الحرب التي لم ولن تخوضها ، في الحصول على مواد أفغانستان الخام – الثمينة  و القريبة مكانيا ، و بأسعار تفضيلية ، و سوف تجعل من بضائعها عماد السوق الأفغاني ، المتعطش للبضائع و الفقير ماليا و الذي سيجد في بضائع الصين زهيدة الثمن و مستحيلة المنافسة ،  ما يشبع جوعه الاستهلاكي ، لذلك لن تجد حاجة للتورط في حروب هذا البلد فهي ستكون داخله دون مغامرات غيرها و حروبهم  ، الذي لا زال لديه ما يكفيه من حروب مرشحة للاشتعال بين مكوناته الداخلية . 

حركة طالبان قاتلت طويلا بالنار و الدم ، لكنها في النهاية  انتصرت في هذه الحرب العالمية الطويلة دون قتال ، و لم تضطر إلى استعمال النار و البارود في معركتها الاخيرة الحاسمة   ، إذ اكتفت بسلاح بالغ الخفة ، ألا و هو الهاتف النقال ، الذي كان كافيا لجعل الرئيس  اشرف غني ( آخر طبعة أمريكية ) يسارع لحمل كل ثمين خفيف ، و يغادر البلاد دون إعلام من حوله من مستشارين و وزراء و قادة ، و ليلحق به هؤلاء ، او من تمكن. فيما تركوا جماعتهم من الصغار الذين أصبحوا من لزوم ما لا يلزم ،  وصاروا يتعلقون و يسحقون تحت عجلات الطائرات المغادرة ، فيما يتولى الثائرون و الغاضبون و الرعاع التعامل بقسوة مع من بقي منهم . حركة طالبان ، التي انطلقت من مدارس بيشاور الأفغانية ، كحركة شباب يملؤهم الحماس و 

يشعلهم الإيمان قبل عقود ، قد اختلفت اليوم بحكم الزمن و تراكم التجربة و النضج ، ادخل بعض من قادتها و منظروها إلى مدارس الحياة الجميلة و العصرية لسنوات في العاصمة 

القطرية – الدوحة ، و عرفوا جنة الدنيا في فنادقها و مطاعمها و نواديها الرياضية ( spa ) ، و  خاضوا في نقاشات فكرية غنية و ممتعه و لا بد ، مع مفكرين و إعلاميين و أكاديميين من توجهات و مدارس مختلفة ، و ادخل بعض آخر من قادتها و مناضليها قسرا إلى مدارس معتمة ، بالغة القسوة ، في غوانتانامو ، فتعرفوا على الصورة المناقضة تماما ، و عاينوا بين تلك 

الجدران و القضبان من عذابات الجحيم الأرضي ، فيما بقي آخرون في الجبال و الصحاري ، و أصبح يفصل بينهم و بين رفقائهم على الأرض لا المسافة و الجغرافية فحسب ، و إنما خندق 

عميق من اختلاف التجربة ، ففي حين عرف بعض منهم  جنة الدنيا و ذاقوا بعض فاكهتها في قطر، و عرف قسم آخر جحيم الدنيا و زقومها و سعيرها في غوانتانامو  ، لم ينل رفقاؤهم على الأرض مثل ذلك الحظ، و لا تلك القسوة ، من أولئك  الذين يعيشون في جليد الجبال و كهوفها ، و قيظ الصحاري و شمسها ، و يقتاتون من خبز الشعير و يتلقون السلاح و بعض القوت من إيران ، إذ انه حصتهم ستكون في جنة الآخرة التي تدوم و لا تزول .

قد يكون جذر التفكير مشتركا ، و لكن ظروف الزمان و المكان لها دور في افتراق مذاهب العمل و التطبيق ، فهذه الحركة الطلابية ( طالبان ) ، قد فعلت بها التجارب أفاعيلها و أخذت مكانها في عقول قادتها ، و من هذه النقطة سوف تفترق طرائق العمل بين طالبان و طالبان ، فقد أصبح لكل منهم جدليته ، بعضهم سيعتمد على بناء أفغاني جديد ، تخاطبه القوة الناعمة الجديدة  ، و منظمات غير حكوميه ستسارع لإيجاد دور لها ، و على الوعود للشعب بحياة رغيدة و كماليات استهلاكية وافرة ، و اقتصاد سوق ، و وسائل اتصال و تكنولوجيا عصرية ، و لكن بعضا آخر ، لا زال يحمل بإيمان  و يتوارث  ثقافة آلاف السنين – الثقافة الأفغانية ، حيث يولد الطفل ليكون مقاتلا  ، و يرى في القتال أسلوب حياة ، و في الجهاد فرض عين ، و أن الله سوف يعطيهم ما يرضونه ، و أن  الآخرة خير لهم  من الأولى .

خلاصة القول ، إن حربا قد انتهت في تلك البلاد ، لتبدأ حرب أخرى ، شيء يشابه العراق في مرحلة سيء السمعة بريمر و من تلاه ، سيكون في أفغانستان من ينفخ في نار الفتنة و يمارس  فسادا في السياسة و في الاقتصاد  ، و الأهم أن الحزب المنتصر أيضا سيكون عليه دفع ثمن

السلطة و أعبائها ، و ثمن اختلاف و تباين الرؤى ، ربما بما يؤثر على وحدته و تماسكه ، و يعرضه لحرب داخلية مع ذاته إضافة إلى حربه مع المكونات الأفغانية الأخرى . 

الحرب الخارجية – العالمية انتهت في تلك البلاد ، و لكن حروبا قادمة على الطريق لن تجعل من أفغانستان بلدا مطمئنا في القريب ، و ها هو احمد شاه مسعود الابن , قد اخذ يحشد و يعبيء في وادي بنشير , معقل والده الشهير أثناء الحرب الأفغانية – السوفيتية , و هو ليس بقائد سهل و انما لديه تجربته و خبرته و سلاحة و مصادر الدعم التي ورث بعض منها عن والده الراحل , وأستذكر هنا مقولة الجنرال حميد غول رئيس الاستخبارات العسكرية الباكستانية الأسبق : إن الشعب الأفغاني و خاصة البشتون لا يعيشون سلاما داخليا إلا في حالة الحرب الخارجية التي توحدهم ، و لكنهم فور انتهائها يعودون لقتالهم الداخلي .

تذكر الحالة الأفغانية الطالبانية  ، بملحمة الشاعر الايطالي دانتي ( الكوميديا الإلهية ) إذ يتقاسم قادتها مراحل الملحمة الثلاث ، منهم من كان نصيبه في الجحيم و منهم من كانت له الجنة و أكثرهم من عاش في المطهر .