- 28 آب 2021
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
اليمن بدورها مهمة مستحيلة مثلها مثل أفغانستان ، و التي يجمعها معها عدد من القواسم المشتركة ، منها صلابة شعبها ، و قدرته على القتال المتواصل بإمكانيات متواضعة ، و في ظروف غير متكافئة .
عرف اليمن عبر التاريخ ، باسم بلاد العرب السعيدة ، و جذر العرب ألأقحاح إذ يدعي كل عربي بأصله اليماني ( ألا أن كل كريم يماني ) ، و اليمن بالرغم من علو جبالها و وعورتها ، إلا أنها اشتهرت بطيب هوائها ، و غزارة إمطارها الموسمية ، بأعنابها و ثمارها الطيبة و عسلها ، و ببهاراتها و عطورها من لبان و بخور و مسك ، لليمن حضارتها المغرقة بالقدم ، و التي أنتجت الأنماط المعمارية بالغه الجمال و الروعة ، و أنظمة الري الدقيقة في توزيع المياه و حساباتها ، و مؤسسات الحكم الملكية و الملوك من ذوي التيجان ، إذ أنهم أول من ميز ملكه بالتاج ، أنتجت اليمن معارف و أديانا و خط المسند و هو أصل الخط العربي المعروف ، كما كانت على الدوام مصنعا لا يتوقف عن إنتاج الإنسان ، الذي كلما فاض البلد بعدده ، هاجر قسم منهم إلى جزيرة العرب و سوريا و مصر و شمال إفريقيا و شرقها ( القرن الأفريقي ) .
تعاني اليمن اليوم ، من عدوان مثل امتدادا للربيع العربي الزائف و شكلا من أشكاله ، عدوان اتسم بالحماقة ، من جانب من لا قبل لهم بالانتصار ، و من القواسم المشتركة التي تجمع اليمن مع أفغانستان ، أن أحدا لم يستطع عبر التاريخ الواضح و الجلي ان ينتصر في نهاية حربة على أي منهما ، حاولت الإمبراطورية الفارسية و فشلت ، جرب الرومان حظهم دون نتيجة ، إلى ان حرضوا حلفاءهم الأحباش ، و خرج القليل الذي بقي منهم على قيد الحياة ، الدولة العثمانية قاتلت باليمن لأربعة قرون و نيف ، دون أن يستقر لها حال ، و كانت آخر حملاتها عام 1904 ، عندما اقتيد آلاف الشبان من بلاد الشام عنوة ليقاتلوا هناك فلم يعد منهم إلا آحاد ، اليمن كانت المصيدة التي وقع بها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر ، فأكلت عساكره و اقتصاده و قضمت من هيبته ، و كانت سببا رئيسا في هزيمته عام 1967 ، فهل يستطيع التحالف السعودي - الإماراتي أن يحقق ما عجز عنه هؤلاء جميعا ؟ حتى الآن استطاع هذا التحالف هدم عشرات آلاف المساكن على رؤوس ساكنيها و لا تكاد المدارس و رياض الأطفال و المستشفيات ان ينجوا منها إلا القليل من هذا القصف الدموي و الذي قالت عنه مصادر الأمم المتحدة ان عدد ضحاياه قد قارب على نصف مليون مدني ، الأمر الذي يرقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية ، هذا إضافة إلى المجاعة و سوء التغذية و انتشار الأمراض بما فيها جائحة كورونا التي لم تكن في الحسبان .
ليس سرا أن السعودية و الإمارات تخوضان حرب اليمن كذراع غربي ، و بالنيابة عنه ، هذا و إن كان اليوم هو واجهه الحروب السعودية – الإماراتية ، إلا أن العراق و سوريا هما جزء من هذه الحرب و هذا الاستنزاف ، تصل تكاليف الحرب اليومية على اليمن إلى حد ادني يتجاوز مائتي مليون دولار أمريكي ، ما بين أسلحة و مرتزقة و تموين ، يشمل الوجبات الساخنة و المشروبات الغازية و غير الغازية المثلجة ، فالي متى تستطيع هاتان الدولتان الاستمرار باحتمال هذه التكلفة الباهظة ، و التي تستنزف كل عائداتهما اليومية من البترول و تمس مدخراتهم الموجودة في صناديقهم السيادية الاحتياطية ؟ ، في حرب لا تبدو لها نهاية و ها هي قد دخلت سنتها السابعة .
في الجانب المقابل ، يعتمد اليمني على عناده و صلابته ، على صبره و اعتياده على الحياة و صعوبتها و الحرب و ضراوتها ، يستطيع الصمود في موقعه ببندقية قديمة صدئه ، و في جيبه بضع حبات من التمر و قليل من الماء ، يعتمد على حليف استراتيجي ( إيران ) أكثر مصداقية من حلفاء خصومة ، و أكثر حاجة لصمود اليمن ، و هذا الحليف لا زال يحقق نجاحات و يقيم قواعد ارتكاز في سوريا و العراق و لبنان و غزة ، إضافة إلى قاعدته اليمنية ، ما يجعله بوضع القوي المحاصر ( بكسر الصاد ) ، و يجمع من الأوراق ما يجعله قويا في مفاوضاته مع الغرب ، و بأقل التكاليف .
متى تنتهي هذه الحرب ؟ لا بد و أن أمامها رحلة طويلا ، و أوقاتا إضافية ، اليمن الشرعي اليوم بحوزته أكثر من ثلاثة أرباع منطقه مأرب ، و في الطريق إلى إحكام سيطرته على ما تبقى – و هي معركة ستطول لان في نهايتها الهزيمة المطلقة للتحالف السعودي – الإماراتي ، هذا التحالف لن يقتنع بهزيمته إلا أن وصل الاستنزاف إلى مداه ، إلى أن يعجز هؤلاء بالاستمرار في تمويل هذا العبث ، و له في الأمريكي القوي مثل و عبرة ، فقد وصل الأمر بالأمريكي في أفغانستان إلى إدراك أن لا نهاية لحربه الطويلة ، إلا بإجراء حوار و الوصول إلى تفاهمات مع خصمه لعشرين عاما ، حركة طالبان ، و ان في ذلك السبيل لوقف خسارته ، و الخروج من المصيدة التي كان يرى الصيني و الروسي سعيدين بمشاهدة عذاباته داخلها ، فقرر أن وقف الخسارة هو ربح .
للحرب قوانينها و قواعدها المعروفة، و من هذه القوانين أن من أعلن الحرب و بادر بها ليس هو من يوقفها ، إلا إن حقق بها نصرا حاسما ، و هو الأمر المستحيل في الحالتين الأفغانية و اليمنية ، أمر لم يستطع من هو أقوى و أذكى و أمهر من محمد بن زايد و محمد بن سلمان أن يحققه ، فمتى يدرك هؤلاء أن لا مخرج لهم من هذه الحرب إلا بالوصول إلى تفاهمات مع اليمن المنتصر ، و مع حليفة الاستراتيجي على الجانب الأخر من الخليج؟

