• 7 تشرين أول 2021
  • أقلام مقدسية

 

 بقلم : سعادة مصطفى ارشيد

 

جرى الاتصال الأول بين الرئيس الفلسطيني و الرئيس الأمريكي يعد سنة و نصف تقريبا من انتخاب الأخير ، و كان ذلك أثناء معركة سيف القدس بين المقاومة في غزة و الاحتلال ، وكما كان بسبب تداعياتها و الخشية الأمريكية – ( الإسرائيلية ) من امتدادها شعبيا للضفة الغربية و للداخل الفلسطيني المحتل  ، فالشعب الفلسطيني كان قد أبدى حتى حينه ، مقدارا عاليا و لافتا من التوحد في الدفاع عن القدس ، و ذلك في المقدمات التي سبقت المواجهة العسكرية ( سيف القدس ) ، و التي رفعت راية القدس و اتخذتها عنوانا ، الأمر الذي تجلى في مواجهات باب العامود ، ثم حي الشيخ جراح و تهجير سكانه من الفلسطينيين و إسكان مستوطنين غاصبين غرباء في بيوتهم  ، و في الدفاع عن المسجد الأقصى في مواجهة الجمعيات التلمودية و الاستيطانية المتطرفة و المدعومة من جهات سياسية عليا في تل أبيب ، و نذكر كيف زحف الفلسطينيون من سائر الضفة الغربية و من أعالي الجليل إلى النقب ، و في أجواء القيظ و الحر و صيام رمضان ، و اجتازوا كل العراقيل التي وضعت  في طريقهم للوصول بأعدادهم الغفيرة للرباط في باحات الحرم القدسي .

في تلك المهاتفة اليتيمة ، أسمع الرئيس الأمريكي الرئيس أبو مازن كلاما طيبا  ، طربت له الأوساط الفلسطينية ، إذ أكد على التزامه و التزام بلاده بموقف قال انه   (ثابت ) ، و هو ما تسعى إليه الإدارة الأمريكية ، يؤمن بحل الدولتين ، و يرفض السياسات الاستيطانية في الضفة الغربية ، كما يرفض أي تغيير في الوضع القائم في الحرم القدسي ، ثم على رفض تهجير المقدسيين من منازلهم في القدس الشرقية المحتلة ( في إشارة إلى حي الشيخ جراح ) ، كما أكد على أن سياسة بلادة ترفض  الإجراءات الأحادية من قبل أي طرف .

تفاءلت أوساط رام الله بذلك و عقدت الآمال العريضة على تلك المكالمة ، و بناء عليها تم العمل عقد قمة بين الرئيسيين ، و كان الموعد المفترض أن يكون اللقاء على هامش افتتاح أعمال الدورة الأخيرة للجمعية العمومية ، لكن اعتذار البيت الأبيض حال دون ذلك ، و أذاع حالة من الإحباط ، خاصة عندما رددت الصحافة أقوالا نسبت لموظفين  أمريكان كبار ، تقول أن ليس للرئيس الأمريكي في هذه المرحلة  ما يبحثه مع الرئيس أبو مازن ، الأمر الذي تجلى في عدم سفر الرئيس إلى نيويورك و الاكتفاء بإرسال كلمة مسجلة عبر فيها عن إحباطه ، كما عن تساؤله حول جدية ما قاله الرئيس بايدن له ، و عن شكوكه في المسار السياسي الذي سار فيه و الذي لم يأت بنتيجة ، هكذا قال أبو مازن .

طرح الرئيس في خطابة المسجل ما يبدو و كأنه يمنح العالم و ( إسرائيل ) فرصة أخيرة ، و مهلة مقدارها سنة واحدة ، و ذلك للعودة إلى مسار عملية  التفاوض الذي يؤتي نتائج تحقق اقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، و إلا فان القيادة الفلسطينية ستكون مضطرة للذهاب باتجاه خيارات أخرى ستكون على طاولة رام الله و أجندتها ، و منها العودة  للمطالبة وتنفيذ قرار التقسيم (181 ) ، الأمر الذي يطرح سؤالا استفهاميا كبيرا ، إذ طالما أن ( الإسرائيلي ) و من ورائه العالم ، غير مستعد للقبول بكل هذه التنازلات فهل سيقبل بالعودة إلى قرار كان قد صدر قبل خمس و سبعين سنة ؟ و إذا كان ذلك ممكنا ، فلماذا لا نطرحه من اليوم ، لا بل لماذا لم نطرح هذا الخيار من قبل ؟

يحار الفلسطيني أمام ما تقدم ، ، إذ إن ميزان القوى الحالي هش و ضعيف و مائل في غير مصلحته ، و أن تعديل هذا الميزان لصالح الكفة الفلسطينية و رفع منسوب القوة ، أمر ليس بالسهل و لكنه أيضا غير مستحيل إن توفرت الإرادة السياسية أولا ، و من ثم العمل الجاد و المثابر ثانيا ، بعيدا عن منطق شراء الوقت و انتظار المعجزة ، و محاولة كل طرف من طرفي الانقسام التنصل من واجباته و تحميل الاخر مسؤولية إفشال الاتفاق ، أو وضع شروط تعجيزيه ، فالموضوع من الأهمية و الجدية بمكان   يحتاج للاستعداد لخسارة مكاسب شخصية لحساب مصالح عليا ، و هو الأمر الذي يبقى موضع شك في ظل بعض من التركيبة الحالية ، التي ترى، تناقضا  بين مكاسبها و بين المصلحة العليا . 

يحتاج الفلسطيني إلى إبداء قدر من الجدية و المسؤولية ، و إلى إعادة تعريف المشروع الوطني ، و ذلك بالشروع في إعادة بناء النظام السياسي الجديد ، من خلال انتخابات سياسية ، و العمل على إنهاء الانقسام ، و في ظن كاتب المقال أن هناك ظروفا دولية و إقليمية مواتية لعمل جاد ينتهي بالنجاح – مرة أخرى إن توفرت الإرادة السياسية - ، إذ أن لحظه فراغ جزئي يعيشها العالم ، تنشغل بها الإدارة الأمريكية و تحالفها الانجليزي – الاسترالي في التموضع في جوار الصين ، و تخرج من تحالفها قوى اطلسية – غربية , لطالما كانت في صفها ، و تطلب – تأمر – الإدارة الأمريكية من حلفائها و محسوبيها تهدئة الأوضاع و تخفيض التوتر على مستويات عدة ، الأمر الملاحظ في زيارة قائد الجيش السوري للأردن ، ثم المكالمة الهاتفية بين الرئيس السوري و الملك عبد الله ، و في تحسن العلاقات المصرية – السورية و لقاء وزيري خارجية البلدين على هامش الجمعية العمومية ، و كذلك في الغزل السعودي – الإيراني ، وفي المبادرة اللبنانية و وصول ناقلات النفط الإيرانية دون أن يعترضها احد ، و في عدم ذهاب ( الإسرائيلي ) إلى جولة تصعيد في غزة و استبدال ذلك برفع مستويات القتل و الاغتيال بالضفة الغربية إرضاء لجمهورهم المتطرف . 

استعاض بإيدن عن لقائه بأبي مازن ، بإيفاد المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط هادي عمرو إلى المنطقة ، حيث اجتمع بالرئيس أبو مازن و القيادة الفلسطينية الاثنين الماضي في رام الله ، و وفق ما أوردته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية ( وفا ) أن الرئيس أعاد على مسامع ضيفة مضمون خطابة المسجل ، و ذكره بحديث بايدن الهاتفي ، و أكد على استعداد السلطة الفلسطينية للذهاب إلى عملية سياسية قائمة على قرارات الشرعية الدولية ، و على عقد مؤتمر تحت رعاية الأمم المتحدة و الرباعية ، فيما لم تورد وكالة الأنباء شيئا عما قاله المبعوث الأمريكي ، اما ما لم يقله ابي مازن , ان كلام ليل بايدن سريعا ما يمحوه نهارة , و انه في حين يقول للفلسطينيين كلاما طيبا و لسبب ظرفي مؤقت , فانه يقول و يفعل من اجل عكسة لصالح ( الاسرائيلي ) الذي يتمتع بدعمة اللا محدود , كل ذلك يؤكد أن الفلسطيني الرسمي لم يغادر المربع الذي تموضع به منذ عام 1993