• 23 تشرين أول 2021
  • أقلام مقدسية

 

بقلم :  سعادة مصطفى ارشد

 

مثلت المسيحية المشرقية عاملا من عوامل تكوين الشرق عبر عشرين قرنا مضت ، و تكاملت مع الإسلام في خلق مواطنة تنتمي إلى هذه الأمة ، وإلى هذه الأرض ثم إلى فكرة التوحيد برسالتيها المسيحية و المحمدية ، ومع محاولات القوى الغازية أو المحتلة أن تغير من هذه الحقيقة إلا أنها وإن أصابت نجاحا مؤقتا ، كانت ما تلبث أن تنهزم أمام الحقيقة الراسخة بوحدة العلاقة بين الإنسان و الأرض . 

في منتصف القرن التاسع عشر ، ظهرت مشاريع تقسيم شرق الهلال السوري الخصيب ، و أخذت تفعل بالعقل الاستعماري الأوروبي ، وأخذت فعلها على الأرض ، إذ كان المدخل الذي وجدته أمم أوروبا المتصارعة على الشرق و على الدولة العثمانية ، قد تمثل لديهم بتبني مشروع الطوائف و اعتماده بديلا للأمة القومية ، التي رأوها حكرا على الشعوب المتفوقة من أمثالهم ، و في حين بقي المسلمون ألسنه على ولائهم للدولة و النظر إليها باعتبارها الدولة ألجامعه و الوارثة للخلافة الشرعية ، و أصبحت روسيا القيصرية راعية طائفة الروم الارثودوكس ، و إيران الصفوية راعية ألشيعه ، و فرضت فرنسا حمايتها على الموارنة و الكاثوليك ، و لما لم تجد انجلترة أتباعا للمذهب البروتستانتي لتتبناهم و تفرض حمايتها عليهم ، أخذت تفكر بطوائف أو أقليات أخرى ، فكرت بداية بتبني النور ( الغجر ) ، و لكنها لم تجد فيهم ضالتها ، فالتجأت إلى تبني الدروز ، و نشرت دراسات متهافتة حول أصل مشترك مزعوم يجمع الدروز مع الانجلو – ساكسون ، و هي دراسات لم تجد من يشتريها . تسلح الدروز في حينه بالبنادق الانجليزية و خاضوا حروبهم على حساب الإنجليز ، لكن عملانيتهم   ( برغماتيتهم ) من جانب و عددهم القليل من جانب آخر دعا الإنجليز للأخذ بخيار تبني اليهود   و إقامة وطن لهم بنقلهم من أوطانهم إلى جنوب الهلال السوري الخصيب ( فلسطين ) ، اضطرت الدولة العثمانية الضعيفة بالموافقة على إقامة قنصليات عامة للدول الطامعة في مدن شرق الهلال الخصيب ، وكانت تلك القنصليات غير مرتبطة بسفراء دولها في اسطنبول ،وإنما بوزارات الخارجية مباشرة و أجهزة الاستخبارات ، ومنحت صلاحيات استثنائية .    

لم تكن السياسات الاستعمارية – و لن تكون ، لها أي بعد أخلاقي ، فلم تكن ترى في الطوائف و الأقليات ، إلا أدوات للاستعمال و لخدمة الراعي غير الصالح ، فكما درس الفرنسيون في تلك الفترة فكرة تهجير الموارنة 

وكاثوليك الشرق و نقلهم للجزائر عقب الاحتلال الفرنسي لها ، فكر الانجليز بتهجير اليهود إلى فلسطين ، و خلاصة القول أن لا احد من هؤلاء معني بالوجود المسيحي بالشرق ، و ها هي السياسات الغربية قد قادت لان تنخفض نسبة المسيحيين في الشرق بشكل يجعل منهم أقلية مجهرية ، فيما يزداد عدد اليهود ليتفوق على عدد المسيحيين خاصة في الجنوب (فلسطين) , حيث أصبحت نسبة المسيحيين لا تزيد عن 1 %  . 

فرنسا ، الدولة العلمانية فرنسيا ، ليست علمانية في بلادنا ، و إنما راعية لبعض المسيحيين كما تزعم ، و في زيارة رئيسها مكارون الأخيرة للعراق ، استمع إلى حديث مهم و معبر من مطران نينوى للكنيسة السريانية ، المطران داؤود شرف ، الذي قال له متسائلا و بطريقة استنكاريه  : انتم تعرفون كل شيء ، أقماركم الصناعية كانت تزودكم بالمعلومات ، انتم من غض النظر عن ذبح المسيحيين على أيدي التكفير في الموصل و إلى تهجيرنا إلى سهل نينوى لنطارد من جديد  ، انتم من منح الغطاء لذبحنا و تهجيرنا مرتين ، و لكن عندما تقرر إنهاء داعش انتهت ،  وكأن ذلك المطران الصادق يقول للرئيس الفرنسي أننا ضحاياكم و ضحايا سياساتكم ، و هو الأمر الذي أشار إليه أمين عام حزب الله الاثنين الماضي .

في الشام ، حيث عصفت رياح الربيع الزائف ، أطلت في غمرة غبارها الطائفية ، و أصابت المسيحية المشرقية و ما في داخل حظيرة الإسلام المشرقي المنفتح على الأخر ، و ذلك على أيادي مختلفة ، من الجار التركي إلى الغرب المتوحش ، و أداوتهم التي تتفق حينا و تتنافر حينا آخر ، و لكنها جميعا تعمل على تحطيم الدولة و تمزيق وحدتها ، فكان خطف المطرانين ، غريغور حنا إبراهيم و بولس اليازجي ، و العائدين من زيارة النجف ، و كان الاعتداء على الكنائس و المساجد ، و وصل الامر باغتيال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي ، داخل المسجد ، تظهر في أحداث الشام وحدة جماعات التطرف و التكفير و إلغاء الأخر ، و أوضح مثال على ذلك تصريحات قائد القوات اللبنانية عقب أحداث معلولا و الاعتداء على كنائسها : أن هذا مجرد ( حكي ) ، ورفض تحميل جبهة النصرة أية مسؤولية عما جرى في معلولا ، فيما تأكد أن القوات اللبنانية كانت تنسق مع مقاتلي جبهة النصرة قبل و أثناء احتلالهم لمعلولا تجار الدم في لبنان لا ينتمون إلى طائفة بعينها ، فتجار الدم عابرون للطوائف و المذاهب ، منذ حادث الطيونة قبل أيام ، ظهر أن قائد القوات اللبنانية يتموضع في منزلة بين منزلتين ، منزلة أن يكون داعشا مسيحيا ، يلعب دور المعادل لدور داعش في الموصل و سهل نينوى ، و بين منزلة الدور الرديف لدور مكارون في ادعائه الدفاع عن المسيحيين باعتباره المقاول الفرعي الصغير و الثانوي او داعم من يريده الوهابي في رئاسة حكومة لبنان هذا ( القائد ) يعمل على إشعال نار الحرب التي يعرف تماما انه لا يستطيع الانتصار بها ، لا بل ولا الصمود قليلا أمام نارها لا عسكريا و لا سياسيا  ، و أن نتيجتها لن تكون وطنا للمسيحيين و لا حتى حصة اكبر لهم من كعكة الطوائف المسمومة ، و هو يعرف تماما مصالحة الضيقة و يعرف ما هي مكاسبه الشخصية ، التي توفرها له تجارة الدم و السلاح و الحرب ما دام مستفيدا ، و استذكر ما قاله عنه رئيس الاستخبارات السعودي قبل أشهر ،  لقد دفعنا له 500 مليون دولار دفعة أولى ، و ألحقناها ب 500 مليون دولار أخرى  و لم يفعل شيء ، علما انه وعدنا بقلب لبنان رأسا على عقب ، و على رأس المقاومة ، قال لنا انه سينظم جيشا من المرتزقة السنة من عكار و طرابلس و انه سيدربهم عسكريا لقتال ألشيعه و المقاومة ، سوى شراء العقارات و الأسهم ، و شراء زوجته للمجوهرات الثمينة ، لذلك يراه خالد الحميدان ليس الا نصابا سياسيا هو و جوقة السياسة السعودية في لبنان ، و لا يزال يرى في إثارة نار الحرب مجالا لزيادة ثروته و تعظيم دوره و نفوذه فلا بهمه شيء آخر، و لا يرى أن في لبنان ما يكفي من أزمات انهيار سعر صرف الليرة ، أو أزمات الخبز و الكهرباء و الدواء و المحروقات و النفايات ، و لا يرى باسا في تهجير المسيحيين إلى ابعد الأماكن عن لبنان ، و تحويل لبنان إلى أندلس ماروني ، و مادة جديدة للشعر المهجري ، أو مكان يزوره الأجداد برفقة أحفادهم ، لتناول التبولة و الكبة و الكشكة و غيرها من أصناف الطعام .

في فلسطين الحزينة ، من الأزمات ما يفيض عن قدرتها على الاحتمال ، حتى الأسود الرابضة منذ عقود في ساحة رام الله الرئيسية , لم تستطع الدفاع عن نفسها أمام معاول التكفير , و لم تجد من يدافع عنها .