• 29 تشرين أول 2021
  • أقلام مقدسية

بقلم:  الباحث المقدسي فــــوّاز ابراهيـــم نـــزار عطيـــة

 

لم تَكُفَّ سطات الاحتلال يدها عن المقابر الاسلامية في فلسطين التاريخية والقدس الشريف، وكأن إبراز العداوة للموتى يعزز من نشوة النصر لدى بعض القادة منهم، وما بين مقبرة الإسعاف في يافا التي مازلت تعاني من استمرارية انتهاكات المحرمات فيها، بنبش القبور ونقل رفات وعظام الموتى لمناطق مجهولة، من أجل إنشاء مشاريع تجارية ومساكن، وما بين طمس معالم مقبرة مأمن الله التي تقبع غربي سور المدينة المقدسة من جهة باب الخليل، تتعرض اليوم المقبرة اليوسفية بجزء منها لمسلسل التهويد من أجل اقامة حديقة توراتية لليهود.

وقبل الحديث عن معالم الحديقة التوراتية التي ستقام على رفات موتى المسلمين، وقبل تصوير مشهد إنشاء حديقة بجانب القبور، وقبل تصوير المشهد المتناقض ما بين الحياة والموت، لا بد من أن نستعرض موقع المقبرة، التي انتهكت بقرار قضائي صادر عن محكمة صلح القدس التابعة لوزارة القضاء الاسرائيلي قبل ايام قليلة.

إذ تقع قطعة الارض المتلاصقة مع المقبرة اليوسفية، التي تنوي سلطة الطبيعة الاسرائيلية بتغيير معالمها وشرعت للاسف في ذلك، على ربوة مرتفعة مقابل مفرق واد الجوز طريق أريحا يفصلها عن سور القدس قطعة أرض ملاصقة لسور القدس كانت تستغل كمكان لبيع المواشي والحيوانات، عرف بسوق الجمعة، ولرمزية المكان الديني التابع للمسلمين، وضع على تلك القطعة نصب تذكاري لقتلى حرب عام 1967، حيث دفن فيها بعض من قوات الجيش الأردني وبعض أموات المسلمين من أبناء البلد، وهي أرض حرجية فيها عدد من القبور. 

وإزاء واقع بعض المقابر الاسلامية في فلسطين، التي تدمر بمسميات مختلفة، تارة لإقامة المشاريع التجارية والسكنية وتارة أخرى لإنشاء حدائق توراتية، تبقى بعض الأسئلة في غاية الأهمية لنوجهها لعناية اليهود وأولي الأمر منهم، ألا تعتبر الحديقة اليهودية التوراتية طريقة رائعة للتعبير عن الايمان بالله بشرط عدم الإضرار بالآخرين؟ ألا تعتبر الحديقة التوراية مكان للتذكير بالمصائب والكوارث التي حلت ببني إسرائيل، وقت تعرضهم للإهانة والاذلال والقتل والتشريد؟ ألا تعتبر الحديقة التوراتية مكان لتزهر النباتات لتمثل الحياة المليئة بالتفائل واحقاق الحق؟ وألا يستدعي من الجهات الدينية اليهودية التي تسعى لنشر الايمان اليهودي الحق لبني اسرائيل بالمحافظة على حقوق الغير وفق الوصايا العشرة، وبالكف عن رمي الآخرين بالدونية وأنهم أقل منهم شأنا؟ ألا يستدعي بكم أن تعيدوا حسابتكم  وتغييروا من نهج تفكيركم بالكف كذلك عن الاعتداء على حُرمات الآخرين سواء أكانوا أحياء أم أموات؟

اعتقد جازما أن الأولى إن تسمح الشريعة اليهودية بإقامة حدائق توراتية في المقابر، أن يتم اقامتها   في مقابرهم، لا سيما وأن لليهود مقبرة تقبع في الجهة المقابلة لمقبرة باب الرحمة الخاصة بالمسلمين، فعليهم اقامتها على رفات موتاهم لا على رفات موتى لا يدينون بدينهم، أم ضاقت بكم المطارح فلم تجدوا سوى مقابر المسلمين، لإثبات عدم وجود سكان أحيوا الارض وعمّروها قبل قيام كيانكم.

جميل أن أقرأ مقالا للكاتبة جاكي كارول، يحمل معنى الحديقة التوراتية، وجميل قراءة كيفية  إنشاءها بكافة تصاميمها، ولكن من الأجمل عندما قرأت ذلك المقال الذي صور التصاميم ومسارات الحديقة التوراتية،  الذي كان يهدف إلى خلق شعور للقارئ في مراجعة تاريخ بني اسرائيلي، وليشعر كل قارئ بالجمال والرمزية المحيطة في المكان الذي يجب أن يتعلق بالحياة، والأجمل أن يكون ذلك المقال محل تطبيق من جانب سلطة الطبيعة الاسرائيلية وكل سلطات الدولة.

فهل إنشاء حديقة توراتية بجانب قبور المسلمين فقط، يحقق هدف سلطة الطبيعة الاسرائيلية ويحقق اتمام الايمان اليهودي، ليخلق الشعور لليهود على رمزية الجمال، وتذكير الجيل الحالي بآلام وشدائد المصائب لقومهم ممن تعرض لبطش وظلم النمرود وفرعون؟ 

وهل اختيار النباتات الملونة السبعة في الحديقة المذكورة في تثنية 8:8 بجانب مقابر المسلمين، تحقق الرمزية في احداث الكتاب المقدس: بأن القمح والشعير والتين والكروم والرمان والزيتون وعسل النخيل، جميعها تهدف إلى الحياة واستمراريتها، وهل زرع تلك النباتات بجانب المقابر يحقق رمزية إلى بني اسرائيل ؟

إن اعتقادي الراسخ القائم على حقائق تاريخية ودينية، يشير بأن الهدف من احكام القبضة على الربوة التابعة للمقبرة اليوسفية، التي تطل على واد الجوز وجبل الزيتون له هدف سياسي، مرتبط ارتباطا وثيقا بمشروع اعادة تنظيم وهيكلية القدس العربية، الذي طرح العام الماضي من بلدية القدس التي تيسطر على مناحي الحياة فيها، كما وأن الاحداث التي تمر فيها القدس منذ سنوات، واجراءات سلطات الاحتلال اتجاه الحجر والبشر باتت مكشوفة لأهالي القدس، لأن معركة الوجود انحصرت في المقدسات، والنداءات التي تطلق هنا وهناك من أجل الاعتصام والتحرك الميداني لن تجدي نفعا، في ظل اخفاق اعلامي يكشف حقيقة نوايا الاحتلال، لتكون المعركة الحقيقية هي معركة الاعلام بطريقة ممنهجة، وضمن حقائق قانونية ودينية، وإلا فإن القادم أسوأ وتقسيم الاقصى زمانيا ومكانيا مسألة وقت.

لذلك في غياب الاعلام القائم على أصول علمية وبطريقة منهجية حديثة، قوامه ترتيب وطرح الاحداث ضمن حقائق ووقائع تاريخية ودينية لجميع الاطراف المتصارعة، ودون مخاطبة ومواجهة الاعلام الاسرائيلي، ودون تشكيل قوة اعلامية تكذب ادعاءات سلطة الطبيعة الاسرائيلية وأي سلطة أخرى في البلاد، ودون تسليط الضوء بشكل متسلسل وبضغط مستمر لكشف حقيقة نوايا الاحتلال، وبيان عوار أهداف إنشاء حديقة بجانب دار تسمى دار الآخرة وهي "المقابر"، ودون بيان أوجه التناقض في اهداف السلطات، ودون بيان أن الحياة والموت متناقضان والقبور والحدائق لا يجتمعان، ودون تسليط الضوء على حقيقة راسخة في وجدان البشر جميعا بشتى منابتهم واعتقادهم بأن الحديقة لا تنشأ بين القبور، ودون بيان حقيقة النفس البشرية التي تتأبى قبول التنزه والاستمتاع بالطبيعة بجانب القبور، ودون بيان حقيقة نوايا السلطات القائمة بأن الهدف الأكبر هو المسجد الأقصى الذي بات محل استهداف يومي لتهيأة الأجواء للتقسيم المذكور، فإن معركتنا ستؤول بالفشل المدوي والنصر بعيد المنال ولن تراه أعيننا.