- 31 تشرين أول 2021
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
بدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، زار رئيس وزراء ( إسرائيل ) نفتالي بينيت مدينة سوتشي الروسية لعقد لقاء قمة يجمعه بمضيفه الروسي , و هي الأولى من نوعها . اتسمت الزيارة بالود و الحفاوة ، و تم تمديد وقت اللقاء من ساعتين إلى خمس ساعات ، الأمر الذي يشير إلى أهمية و خطورة موضوعات البحث ، كما تم تمديد الزيارة ليومين آخرين مما يشير إلى أن لجانا مهمة قد تشكلت لمتابعة وتنفيذ ما اتفق عليه الرجلان ، و استدعت بقاء بينت في روسيا .
الصحافة ( الإسرائيلية ) احتفت بالزيارة , و أكدت على حميميتها و على أهمية نتائجها و نجاحها الذي فاق - حسب ما ورد – توقعات ( الإسرائيليين ) ، و قد حضر اللقاء إلى جانب بينت وزير الإسكان ( الإسرائيلي ) – ذو الأصل و الثقافة الروسية – زئيف بيلكن ، بصفته مستشارا و مترجما ، و هو من كان قد رافق في السابق نتياهو في كل زياراته لروسيا ، مع الإشارة أن هذا الوزير يبدو انه يلعب دور القاسم المشترك الروسي – ( الإسرائيلي ) .
وفقا لتصريحات بيلكن : إن الزيارة كانت مثمرة ، و واسعة الطيف ، و قد اشتملت على ثلاثة محاور :
المحور الأول : الوضع في سوريا ، و الذي احتل مكانة مركزية في القمة ، حيث كانت المحادثات شاملة و هدفت إلى تعزيز التنسيق الروسي – ( الإسرائيلي ) ، و إبقاء سياسات روسيا تجاه الغارات ( الإسرائيلية ) على الأراضي السورية على ما هي عليه في الوقت الحاضر ، و منع أية حوادث قد تطال بها نيران الطائرات او الصواريخ ( الإسرائيلية ) القواعد الروسية أو الجنود الروس العاملين على الأراضي السورية ، و لاحقا أضاف بينت انه وجد لدى بوتين آذانا صاغية بشان احتياجات ( إسرائيل ) الأمنية .
المحور الثاني : الملف النووي الإيراني : أن الإسرائيلي يرى أن البرنامج النووي الإيراني قد بلغ مراحل متقدمة و خطيرة ، ويثير قلق ( الجميع ) ، و يبدو ان الجميع هنا تشمل موسكو ، و أن إمكانية تسرب النشاط النووي الإيراني إلى سوريا تحمل مخاطر إضافية على ( إسرائيل ) ، و قد تم التوصل إلى اتفاقات عملية بشأن البرنامج النووي الإيراني ، وفي المضمون إطلاق يد الإسرائيلي لضرب التواجد الإيراني في الأراضي السورية ، إذ بدا واضحا ان في ذلك مصلحة روسية – ( إسرائيلية ) مشتركة .
المحور الثالث : الملفات الإقليمية الأخرى ، و هي ولا بد شملت العراق و اليمن ، و ترسيم الحدود البحرية مع لبنان ، و حقول الغاز في شرق المتوسط ، ولم يرد أي ذكر للشأن الفلسطيني في الأخبار المتداولة عن هذه القمة .
في محاولة لقراءة هذه الزيارة قراءة سياسية ، تجدر ملاحظة القلق الروسي – الإسرائيلي المشترك تجاه ملفات عديدة ، و أن هذا القلق لدى الروس يتعلق أولا باستعادة دورهم العالمي ، و في هذه الزيارة ما مكنهم من الإمساك بأوراق شرق أوسطية متناقضة و جمعها في قبضة واحدة ، وترى موسكو أن على سوريا أن تكون رهينة لديها ، لذلك نراها منزعجة من الشراكة الإيرانية في الملف السوري ، في حين ترى الحكومة ( الإسرائيلية ) ضرورة البناء على ما أنجزته حكومة نتنياهو من تفاهمات حول سوريا و إيران مع القيادة الروسية ، و ترى أن هناك تباينا في الرؤى مع الإدارة الأمريكية تجاه الملف السوري و الملف النووي الإيراني ، إدارة بايدن تريد العودة للاتفاق النووي الذي كانت إدارة الرئيس الأسبق اوباما قد أبرمته ، و تدرك و يدرك معها الإنجليز والفرنسيون والألمان بان عقوباتهم تجاه إيران عبر أزيد من أربعه عقود لم تؤت أكلها ، وإنما جاءت حصيلتها في صالح إيران التي تحولت عبر هذه العقود الاربعة من دولة نفطية استهلاكية مثلها مثل جيرانها من دول الخليج ، إلى دولة متقدمة في الصناعة و الزراعة و السيبرانية و الإنتاج الحربي ، معتمدة على استنهاض طاقاتها ، كما أصبحت إدارة بايدن على يقين أن الأزمة السورية مهما استطال زمنها ، إلا أن خط النهاية قد أصبح مرئيا بوضوح ، و هو أن الدولة السورية ستنتصر ، و باقية ، ولا بد من التعاطي معها ، الأمر الذي بدا في تجاهل واشنطن لقانون قيصر ، و في تطور العلاقات الأردنية – السورية و المصرية السورية ثم في الاتصال الأخير بين الرئيس السوري و ولي عهد أبو ظبي ، هذا ما لا تريد ( إسرائيل ) التسليم به و تجد فرصتها للمشاغبة عليه في الاستدارة نحو روسيا .
يدرك من يعمل بالسياسة ، أن المصالح هي المحدد الأول للسلوك الاستراتيجي للدول ، و أن كانت السياسة تعطي هامشا أكثر مرونة السلوك ، إلا أن عليها في النهاية خدمة الإستراتيجية و المصالح العليا التي تبقى صاحبة الأولوية ، على المصالح العابرة و الانية ، و أمام حميمية زيارة بينت لسوتشي ، والنتائج التي ترتبت عليها ، يطرح التساؤل المشروع : هل يدرك سيد
الكرملين أن ( إسرائيل ) مهما اقتربت منه ، إلا أنها تبقى في حظيرة المشروع الغربي المعادي لروسيا ؟ و أن روسيا لا تستطيع ان تكون لاعبا دوليا على المدى البعيد بهذه الطريقة المنافقة ؟ ثم هل من المقبول قوميا أن نبقي على مجاملاتنا لهذا الصديق الحليف الذي يعطينا منظومات S 300 و يحول دون قيامها بدورها في حماية أجوائنا ، و يجعل من سمائنا وأرضنا مكشوفتين أمام صواريخ و طائرات العدو ، و ذلك بشرط أن لا تستهدف قواعده و عساكره .. هل يجوز لنا أن نقبل أن تكون دماؤنا و أرواحنا و أراضينا مادة استخداميه له ؟ .
نعترف و نقدر الدور الروسي في مساعدة سوريا في بداية الأزمة عندما كان الدواعش ومن لف لفهم ، و غرفة موك و نظرائها , يعيثون في الأرض السورية قتلا وفسادا ودمارا ، و لكن على الدولة الروسية أن تعرف وتقدر أن سوريا هي أول من وقف معها في استعادة مكانتها التي فقدتها مع انهيار الاتحاد السوفيتي ، سوريا من منحها إطلالتها على المياه الدافئة في طرطوس و هي الأهم للأساطيل الروسية ، ومن منحها الإطلالة على أهم حقول غاز مستقبلية ، مع فرص الاستثمار بها في شرق المتوسط ، الروسي خير من يعرف أن استهداف سوريا كان بسبب عدم خضوعها للمشاريع الغربية ، السياسية والاقتصادية على حد سواء ، ومنها محاولة الغرب الاستثمار في الغاز السوري عبر الشركات الغربية – الخليجية و بشكل خاص شركة ( كيوتيل) ، و لضرب مبيعات شركة ( غازبرووم ) الحكومية الروسية .
تنظر روسيا إلى مصالحها الصغيرة و الآنية على حساب مصالحها العليا ، و لعل سكوتنا يشجعها على ذلك ، فمن حقنا أن نرى مصالحنا باعتباره الأولوية التي لا تتفوق عليها أية أولويات أخرى ، و من حقنا على روسيا أن تنظر بشكل استراتيجي لمصالحها المرتبطة أساسا بسوريا و مجال سوريا القومي و الحيوي ، وان ( إسرائيل ) هي النقيض والوليد الخطر لسياسات معادية لأي دور روسي ، سواء أكانت روسيا شيوعية ام قومية ليبرالية رأسمالية .

