- 2 تشرين الثاني 2021
- أقلام مقدسية
بقلم : الشيخ مازن اهرام
على أعتاب موسم قطف ثمار الزيتون؛ تعم الفرحة والبهجة كافة الريف الفلسطيني وخاصة في مدينة القدس فقد شكّلت شجرة الزيتون ولا زالت عاملاً هاماً في الاقتصاد والحضارة الوطنية الفلسطينية، وساهم محصول الزيتون بشكل مميز في رفع مستوى منسوب الأمن الغذائي للفلسطينيين، وأمام كل الحروب والتعرض لها من قبل الاحتلال لأكثر من مرة عبر تاريخها الطويل، إلا أن شجر الزيتون المباركة صمدت وجذّرت نفسها على جبال فلسطين وتلالها ,وضمن الفعاليات توجهت العائلات المقدسية بصحبة الأطفال إلى المسجد الأقصى المبارك للمشاركة بقطف ثمار شجر الزيتون و ارتباط هذه الشجرة بهذه البقعة المباركة من العالم، وهي بالنسبة للشعب الفلسطيني رمز صمود وتجذر في المكان، ورمز شموخ وكبرياء في السماء، وسيرورة تاريخية في الزمان فهي موضوع قسم رباني
(والتين والزيتون وطور سينين) وهي سورة من سور القرآن. وتؤكد عشرات الآيات القرآنية الكريم ومن بين ملايين أشجار الزيتون في فلسطين، تتفرد أكثر من 600 شجرة بموقع مُقدّس في المسجد الأقصى يزيدها قداسة وتغوص جذور بعض هذه الأشجار إلى آلاف السنين اذ تضم باحات المسجد الأقصى من 600 إلى 800 شجرة زيتون،
دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس تقوم بقطف ثمار أشجار الزيتون ، ومن ثم عصرها وتوزيعها على الفقراء في القدس ويوزع زيتها سنويا يتدفق المئات من طلاب المدارس المقدسيين الى جني تلك الحبات الصغيرة التي أثقلت فروع الأشجار، قبل عصرها وتوزيعها على الفقراء وإن "دائرة الأوقاف الإسلامية في مدينة القدس تعتني، على مدار العام، بأشجار الزيتون الموجودة في المسجد الأقصى وتقتصر الاستفادة من هذا الزيت على الفقراء فقط، ولا يتم بيع أي كمية منه رغم وجود رغبة من قبل الكثيرين لشرائه ولأن هذه الأشجار موقوفة، لا يمكن لأي شخص أن يشتري أو يبيع أي جزء منها أو من زيتها، فقد قررت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس توزيع الزيتون على الفقراء فقط "
الزيتون في الثقافة الفلسطينية:
ترمز شجرة الزيتون للشعب الفلسطيني حقه في الأرض الفلسطينية. وتعتبر أشجار الزيتون عنصرا رئيسيا في الحياة الزراعية الفلسطينية، حيث تقطف أجيال من العائلات الزيتون معا لمدة شهرين اعتبارا من منتصف أيلول/سبتمبر من كل عام. ويشارك جميع أفراد الأسرة في قطف الزيتون خلال الموسم، إذ أن بعض المدارس تقوم بإعطاء إجازات للطلاب تحت اسم 'عطلة الزيتون' لمساعدة عائلاتهم في قطف
الزيتون من الأشجار المباركة والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم سبع مرات، وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم أمته بأن يأكلوا من زيتها ويدهنوا به، وقد ثبت علمياً فوائد أكل زيت الزيتون، والدهان به
أولاً: الزيتون في القرآن الكريم :
قال تعالى : (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَءَايَٰتٍۢ لقوم يُؤْمِنُونَ)[1].
قال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين)[2].
قال تعالى : (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[3] لذا استخدم زيت ُ الزيتون في إضاءة أسرجة المسجد
أكثر الأشجار زراعة في المسجد الأقصى هو شجر الزيتون لاشتهار بيت المقدس بزراعته حيث قال المفسّرون (مثل القرطبي وابن كثير) في اية (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) إن الزيتون يرمز الى بيت المقدس
يذكر القاضي مجير الدين (900هـ/1690م) أشجار الزيتون (يَنتهي إلى أشجار الزيتون المغروسة شرقي المسجد عند باب الرحمة) ويقول العالم عبد الغني النابلسي (1101هـ/1690م): ورأينا فيه من جهة الشرق بين صحن الصخرة والسور الشرقي أشجار زيتون كثيرةً من عهد الروم
وقد ذكر أوليا الجلبي وجود أربعة الآف قنديل توقد بالزيت منتشرة في أنحاء المسجد وذكر الرحالة المقدسي البشاري (ت: 990م) يفاخر بأن الأقصى أكبر المساجد على وجه الأرض حينه، وأن أكثر الأشجار زراعة حوله هو الزيتون في السياق ذاته، فقد امتاز الأقصى بمساحته الكبيرة، فالرحالة المقدسي البشاري (ت: 990م) يفاخر بأن الأقصى أكبر المساجد على وجه الأرض حينه، وأن أكثر الأشجار زراعة حوله هو الزيتون لاشتهار بيت المقدس بزراعته.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة)
لطالما سعت دولة الاحتلال الإسرائيلي لتجريف مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون المثمرة في فلسطين للتخلص من شاهدة مهمة على أحقية الشعب الفلسطيني بهذه الأرض لتشكل هذه الشجرة المباركة جزءًا من هوية وعروبة فلسطين. وأصبحت هذه الشجرة التي باركها الله في كتابه العزيز رمزًا للثبات لدى الفلسطينيين، وسببًا للحفاظ على الترابط بينها وبين أصحاب الأرض، حيث الكبار يرحلون عن الحياة، فيما تبقى شجرة الزيتون تعمر وتزداد تجذرًا في أعماق الأرض. وساهمت هذه الشجرة في بقاء الفلسطيني في وطنه وعمقت من ارتباطه بالتراب الذي احتضنها وكان الفلسطيني يرويها بدمائه قبل الماء.
أما في المسيحية، فقد وردت في عدةِ مواضع، بعهدَي الإنجيلِ القديم والجديد، واعتُبر زيتُ الزيتون في الإنجيل دواءً وشفاءً وغذاءً ونورًا وجمالًا وزينة، وجاء ذكرُه في سِفرِ الخروج عندما أعطى اللهُ الأمرَ لموسى عليه السلام، بحسب الإنجيل، "أمر بني إسرائيل بأَنْ يُقَدِّمُوا إِلَيْكَ زَيْتَ زَيْتُونٍ لإشعالِ السراج على الدوام". والزيت الطِيب قيامة يسوع -مرقس 16: 1 " ولما مضى السبتُ، اشترتْ مريمُ المجدليةُ، وأمُ يعقوبَ، وسألومه، بعض الطيبِ ليدهنَّ ويسكبنَه على جسدِ عيسى بن مريم عليها السلام
جرافة الاحتلال كانت هي أداة الاقتلاع لشجرة الزيتون، حيث يقول الكاتب الصهيوني "يهودا ليطاني" في صحيفة "معاريف" الصهيونية: "إن الجرافة صارت أداة حرب للجيش تشبه الدبابة وترمي إلى الدمار "ويعزز ذلك الكاتب الصهيوني الصحفي عوفر شيلح مؤكداً: "تواصل صديقتنا الجرافة تصميم الواقع في الضفة الغربية"، والجرافة هنا في الفكر والتطبيق الاحتلالي هي الاقتلاع والمصادرات والتجريفات والهدم والتنظيف والبناء الاستيطاني على أوسع مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية
ولا يعدم الاحتلال إصدار الفتاوى والقرارات للسيطرة على شجرة الزيتون واقتلاعها، حيث يقول الحاخام الأكبر سابقا "موردخاي الياهو" في فتوى دلالتها في بعد السيطرة على الأرض حينما قال ليبرر سيطرة المستوطنين على زيتون فلسطين: "بلاد الأغيار وعمل الشعوب يورث"، وكان هذا الحاخام وهو أحد أبرز كبار حاخامات الصهيونية شرع للمستعمرين سرقة الزيتون الفلسطيني، قائلا: "إنه يمكن جني المحصول وقطف الزيتون وسرقته من مزارع الفلسطينيين، لأنهم يزرعون في أرضنا"، على حد زعمه
واستناداً للمعطيات الفلسطينية؛ تم اقتلاع وتدمير قرابة مليون ونصف شجرة زيتون فلسطينية، خاصة في أثناء عملية فتح الطرق الالتفافية، وعمليات بناء الجدار وتوسعة الطرق والمستوطنات والمعسكرات.
وهكذا فالاحتلال لا يدع شيئا في حاله، فسلطات الاحتلال وان كانت تستهدف شجرة الزيتون الفلسطينية بشكل عام، إلا أنها تستهدف في الوقت نفسه نوعاً خاصاً من شجر الزيتون يزيد عمره عن عمر أقدم تاريخ مكتوب لليهود في فلسطين، وهو "الزيتون الروماني" وتدمير وحرق هذه الشجرة بحد ذاته هو محاولة مبرمجة ومدروسة ترمي إلى إعادة كتابة التاريخ على قاعدة أن تاريخ المنطقة القديم قد ابتدأ منذ ثلاثة آلاف عام فقط، أي منذ دخل اليهود إلى فلسطين
شجرة الزيتون هذه هويتها وجنسيتها فلسطينية مقدسية حبانا إياها الله لتساهم في إثبات وجودنا على هذه الأرض الأبية باعتبارها أقدم شجرة في العالم وفي فلسطين ويزيد عمرها حسب دراسة العلماء عن أكثر من 5550 عاما في بدايات العهد الكنعاني وترتبط الشجرة بميثولوجيا محلية وحكايات لا تنتهي عن الحلال والحرام والصدق والكذب، وفعل الخير
رفعت زنبقة الخريف رأسها، وأطلت به من شقوق الصخور وقالت للزيتونة وهي ترتعد راجفة: أي ذنب جنيت حتى انهال البشر عليك بتلك العصي الغليظة الطويلة، يجدون فروعك التي طالما اتخذوها رمزاً للسلام، بلا شفقة ولا رحمة. ودموعك الخضر تتساقط كالزمرد على الأرض، يلتقطها الأطفال والنسوة بجشع وفرح عظيمين. يا لله ما أجمل صبرك!
فقهقهت الزيتونة واستغرقت في الضحك ثم قالت: أنا بنت الشقاء، وربيبة القسوة، ورفيقة الجفاء، وزميلة الدهر. لا أذكر لمولدي عهداً، فقد تسربت جذوري في الصخور كما تسربت في أعماق الزمن. وعادت القرون في حياتي كالدقائق والثواني في حياتك. عاصرتُ الرسل والطغاة، وخلدتني الكتب السماوية والرواة. الخلود ربيب الشقاء وأنا الشجرة الخالدة
الزيتون في الدلعونة الفلسطينية:
الزيتوني اشتاقت للي زرعوها وزيتات الموني منها اخذوها
عودوا بجاه الله، عودوا شوفوها الأوراق اصفرت، ذبلت الغصونا
شعبي للوطن قدّم هدية روحه العزيزة لأجل القضية
ولا يمكن يرضى بالصهيونية ع تراب بلادي ارض الزيتون
على دلعونا، على دلعونا يا بيْ مأجملها كروم الزيتون
المراجع:
1) الأنعام أية 99
2) الأنعام 141
3) النور أية 35
4) التين أية 1
5) القاضي مجير الدين (900هـ/1690م) الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل
6) العالم عبد الغني النابلسي (1101هـ/1690م) الزيارة الأنسية
7) أوليا جلبي بن درويش محمد أغا ظلي المعروف بلقبه أوليا چلبي (هجاء بديل: أوليا شلبي) (ولد في 10 محرم 1020 هـ، الموافق 25 مارس 1611 م، في إسطنبول، وتوفي في عام 1095 هـ / 1684م.) هو رحّالة ومستكشفٌ عثماني سافر عبر أراضي الإمبراطورية العثمانية والأراضي المجاورة على مدار أربعين عامًا ابتدأها عام 1040 هـ - 1630م من إسطنبول، حيث دوّن مشاهداته في رحلاته في كتابه المعروف سياحت نامه أي ("كتاب الرحلات") المكون من عشرة أجزاء
8 ) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر المَقْدِسِيّ المعروف باسم محمد بن أحمد شمس الدين المقدسي أو المقدسي اختصاراً، هو رحالة مسلم ولد في القدس سنة 336هـ 947م، ونشأ بها احترف التجارة فكثرت أسفاره حتى صار رحَّآلة جغرافيًا، وصنف كتابَ اسماه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" وقد أكسبه شهرةً كبيرةً. توفي في سنة 380هـ/990م
9) المؤمنون أية 20
10) سِفرِ الخروج مرقس 16 : 1
11) كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة” صحيح الجامع الصغير 4498
12) كتاب الجغرافيا الفلكلورية لسليم عرفات المبيض ص13
13) هيئة أشراف بيت المقدس

