- 11 تشرين الثاني 2021
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
أراقت الأزمة التي تسببت بها تصريحات الوزير جورج قرداحي حول عبثية الحرب السعودية على اليمن ، لا كثير من الحبر فحسب ، واإنما من هرمون الأدرنالين أيضا الذي تدفق بغزارة في الأعصاب السعودية و تسبب في إرهاقها
وخروجها عن مألوف العمل الدبلوماسي .
لا داعي في هذا المقال لاستظهار و استذكار ما قاله الرئيس الأمريكي السابق في خطبه الشعبوية من كلام مباشر حول السعودية ، كان قد اسمعه للملك السعودي مباشرة ، و هو كلام لا يقبل به أدنى الناس كرامة ، و الذي ابتلعته السعودية بخنوع و ذلة ، ودون أية ردة فعل أو تعقيب ، و كذلك ما صدر عن قادة كثيرين في العالم شاركوا الوزير قرداحي توصيفه لهذه الحرب ، و منهم الأمين العام للأمم المتحدة , السيد انطونيو غوتريتش .
فما الداعي لهذه الغضبة السعودية ( المضرية ) على لبنان و على الوزير جورج قرداحي ؟ و على تصريح كان قد أدلى به في آب الماضي ، وعندما كان صحافيا و مواطنا له أن يعبر عن رأيه ، و قبل أن يكون وزيرا ، في تقديري أن للغضبة أسبابها ، منها ما هو استرزاقي ، عند أقلام مأجورة ، و سياسيين فاسدين و تجار أزمات ، وجدوا في صب الزيت على نار الخلاف السعودي اللبناني مصدر رزق ، و فرصة ثمينة لاستثمارها ماليا ، و ليسوقوا بضاعتهم الرخيصة إرضاء لمن يدفع وربما لمن قد يدفع ، فشهروا أقلامهم للهجوم على الوزير قرداحي و على سيادة الدولة اللبنانية ،وأطنبوا في الحديث عن مآثر مملكة الخير و التقدم و العدالة و الحرية ، التي سبق لها ا استدرجت صحافي معارض إلى سفارتها في تركيا , وعذبته , ثم قطعه رجال أمنها بأدوات و سكاكين جزار و تم شحن فتاته إلى الرياض في صندوق يحمل صفة الحقيبة الدبلوماسية , و اعتقال – اختطاف رئيس حكومة لبناني في الرياض بعد استدعائه للتشاور ، مملكة الخير هي التي تطعم – برأيهم – لبنان من جوع ، و تؤمنه من خوف العدو السوري أو الإيراني ، و بالطبع لا من إسرائيل و لا من جماعات التكفير و الإرهاب .
في أسباب السياسة ، فان السعودية لم يعد بإمكانها حاليا ، أن تقدم على مزيد من عرض العضلات لتحدي إيران بالخليج ، بعد أن تلقت و غيرها من الدائرين بالفلك الأمريكي التعليمات بالتهدئة ، فالولايات المتحدة منصرفة تماما للتفرغ للصين و بحرها و طرق حريرها ، و هي لهذا السبب معنية بالعودة للاتفاق النووي الذي سبق لإدارة الرئيس الأمريكي الأسبق اوباما أن أبرمته مع إيران ، و التموضع في بحر الصين الجنوبي ، يتطلب منها بذل كامل طاقتها على الملف الصيني ،
وتهدئة جميع الساحات الأخرى و لو إلى حين ،و فوق ذلك كله ترى الولايات المتحدة ، ان أربعة عقود ونيف من الحصار ، تخللها قرابة عقد من الحرب الضارية مع العراق ، لم تؤت أكلها و تفت في عضد إيران ، لا بل اضطرت الإيراني للعمل على الاستعاضة عن الاستيراد باستنهاض قواه و إحداث نهضة شاملة في العلم و الصناعة والزراعة والعسكرية ، لهذا استبدل السعودي عداء إيران المباشر بالهجوم على اذرع إيران في اليمن حيث تكثفت غاراته الجوية ،وفي لبنان متخذا من تصريحات الوزير جورج قرداحي حكاية لها أول و لكن ليس لها آخر .
وفي السياسة أيضا ، فقد استقر في ذهن ولي العهد السعودي ، أن بإمكانه أن يكون سيد الجزيرة و ملك العرب ، على طريق حاول جده الملك عبد العزيز سلوكها ، و هو يريد فرض زعامته على العالم العربي بأسره وبشكل متغطرس
وعدواني ، وها هو يستغل هذه الأزمة مع لبنان لإعطاء دروس قاسية لكل دولة أو جهة أو حزب أو سياسي تسول له نفسه الاستقلال عن هذه الزعامة .
إنها لعبة خطرة ، و لا أظنها تنم عن فطنة أو ذكاء ، و هي مغامرة إن نجحت - لا قدر الله - ، و استطاع ولي العهد فرض زعامته الخطرة لا على لبنان و العالم العربي فحسب ، و إنما على شعبها أيضا ، فلن تقف المطالب السعودية عند إقالة الوزير قرداحي ، و إنما ستتدخل في من سيخلفه ، و تحدد من له الحق أن يكون وزيرا أو لا يكون ، و بالطبع المقاومة اللبنانية ستكون على رأس استهدافاته ، و هذه المغامرة إن فشلت فستكون فاتحة لسلسة من الهزائم المتتابعة ، بدايتها من لبنان و لكنها عابرة لأنحاء مختلفة من العالم العربي ، سبق للسعودية أن أشعلت فيها الحرائق ببترولها ومالها و زبائنها من المتكسبين .
المواطن الصالح جورج قرداحي ، مطالب أنت بالثبات ، فأنت أولا مارست حقا مشروعا في التعبير عن رأيك بتوصيفك للحرب على أنها عبثية ، و هو رأي يشاركك به ملايين الناس ، و أنت ثانيا مطالب بالدفاع عن سيادة لبنان و حقه في اختيار وزرائه ، و ممارسة سيادته على نفسه ، الأمر الذي تحاول السياسات السعودية ( العبثية ) و الخرقاء تمريغه بالوحل ، و التي لا ينبري جماعة السعودية في لبنان للدفاع عن بلدهم في الهجوم البذيء الذي يتعرض له ، من قبل صحف سعودية محسوبة على العرش مثل صحيفة عكاظ . المواطن الصالح جورج قرداحي ، أنت بصمودك هذا تملك أن يكون لك شرف المساهمة في هزيمة مشروعهم البائس العبثي و منطقهم الأعوج .
المواطن الصالح جورج قرداحي اصمد أمام كل الضغوط ، و أهمها تلك التي تأتيك من حيث لا تحتسب ، ممن يفترض أن يشدوا على أيديك ، لا أن يعقدوا التسويات على حساب كرامة لبنان أولا و كرامتك ثانيا .

