- 11 كانون أول 2021
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفي ارشيد
لما كان الهدف المصري – السداتي من حرب تشرين 1973 هو تحريك الوضع السياسي لا تحرير الأرض، و ذلك تمهيدا للدخول في عملية سياسية تفاوضية مع ( إسرائيل )، فقد كان من الطبيعي أن تتفوق سياسات التخطيط و التنظيم المعتمدة على العلم، على سياسات الفرد و الارتجال، و يحصل في نهايتها الاختراق (الإسرائيلي ) الأول للجبهة العربية، بانخراط مصر في عملية سلام بائسة، انتهت إلى تطبيع مصر مع ( إسرائيل ) و خروجها من ساحة المواجهة، أنهت الاتفاقيات حالة الحرب بين الدولتين، و أوصلت إلى انسحاب ( إسرائيلي ) من مناطق كانت احتلتها من مصر عام 1967 في سيناء و بعض جزر برزخ السويس و إعادتها إلى السيادة المصرية ( و إن كانت سيادة منقوصة )، و لكن الرئيس المصري في حينه، اعتبر ذلك تحريرا، و عملا عبقريا كما روج له إعلامه في حينه .
اعتقدت مصر السادات، أو أراد لها السادات أن تعتقد أنها بتخففها من أحمال الصراع مع ( إسرائيل )، وأكلاف المجهود الحربي، بأنه سوف تتوافر لها الإمكانيات للنهوض بثورة تنموية اقتصادية، تدخل البلاد في حالة من الرفاهة و رغد العيش، و تجعلها دولة من دول العالم الأول، خاصة بعد أن ارتبط السلام مع ( إسرائيل ) بسياسات نيو – لبرالية، أطلق عليها السادات اسم الانفتاح على العالم الغربي، و الذي شمل الاقتصاد كما السياسة، الأمر الذي استلزم ضرب القطاع العام، و نقل السيطرة على الاقتصاد من دائرة عمل الدولة إلى دائرة خصخصة الاقتصاد .
لاحقا لمصر و بعد تأخر بلغ عقد و نصف من الزمن، وصلت قيادة منظمة التحرير إلى ما سبق للسادات أن وصل إليه، فتم توقيع اتفاقات أوسلو عام 1993 و ملاحقها السرية، التي و أن عرف بعض منها إلا أن بعضاً آخر لا زال مجهولا و يقع في دائرة التكهنات، بموجب تلك الاتفاقيات – و كما يرد في مقدماتها و نصوصها، أن اعترفت القيادة الفلسطينية بدولة ( إسرائيل ) و بمشروعيتها، مقابل أن اعترفت ( إسرائيل ) بقيادة منظمة التحرير بصفتها ممثلا للفلسطينيين، لا بحقوق الشعب الفلسطيني، و وافقت على السماح بعودة القيادة النابذة للعنف و الإرهاب ( الكفاح المسلح ) للضفة الغربية و قطاع غزة و معهم عدد تحدده و تحدد مواصفاته و دوره و وظيفته ( إسرائيل )، على أن يتم التفاوض لاحقا بخصوص مصير أراضي الضفة الغربية في غضون خمس سنوات، الأمر الذي لم يحصل حتى اليوم، أي بعد مرور قرابة الثلاثة عقود .
افترضت قيادة منظمة التحرير أنها بتوقيعها على تلك الاتفاقيات، و بقبول إسرائيل التعاطي معها، أنها حققت أهداف الثورة الفلسطينية المعاصرة، و أن هذا المدخل كفيل بتحويل اتفاقية الحكم الذاتي الضيق و المحدود إلى دولة، ثم أن عقلية الفهلوة و الشطارة، سوف تجعلها تتلاعب بالطرف الآخر كما كانت تفعل مع دول عربية، و الأهم أنها تستطيع أن تفرض وجودها و تحقق مصالحها بصفتها من يستطيع التنازل و منح الشرعية لأي عملية تطبيع عربي أو إسلامي لاحقا مع ( إسرائيل )، باعتبارها ممرا إلزاميا بالاتجاهين .
سريعا بعد توقيع اتفاق أوسلو، لحق الأردن بركب السلام ذاته، فوقعت اتفاقية وادي عربة و التي علق عليها في حينه رئيس الوزراء الأردني عبد السلام المجالي: أن هذه الاتفاقية قد ضمنت وجود الأردن كوطن نهائي للأردنيين، هكذا اعتقد القرار الأردني، و بان الدولة أصبحت بمنجى من أن تصبح دولة فلسطينية، أو حصة الفلسطينيين في ما تبقى من اتفاقيات و وعود مطلع القرن العشرين التقسيمية ( سايكس – بيكو و وعد بلفور ).
رأت الدولة الأردنية، أنها بذلك سوف تتخفف من أحمال فلسطين و مسألتها التي قد أصبحت شانا فلسطينيا خاصا، مكتفية بدور لها في رعاية المقدسات في مدينة القدس، و أنها ستكون صندوق بريد يعمل في الاتجاهين ما بين الدول العربية التي تريد أن تتأخر في اتخاذ قرار تطبيعها مع ( إسرائيل )، و محطة و معبر لمن أراد أن يتعجل و يلتحق بركب التطبيع، إضافة لما يمكن أن يحققه لها السلام من أرباح على شكل مشاريع مشتركة و اتفاقيات ترانزيت و دعم مالي مباشر، مما يجعل من قدراتها الإقليمية تزداد، و كذلك قدراتها المالية التي ستنعكس رفاها و سلاسة لمواطنيها الناعمين بفوائد السلام .
هكذا توهمت الأطراف الثلاثة التي انخرطت في عملية السلام و التطبيع، بأنها ستحققه، و أثبتت عقود من التجربة بؤس وتهافت ذلك الاعتقاد، فالمصري أصبح أكثر جوعا و عطشا، و ازدادت مستويات التفاوت الاجتماعي و ما يتبعها من تناقضات، والحياة الأردني مثلها، متراجعة في رفاهها، عطشى تشتري ماءها من شريك السلام، و لكن زيادة عن ذلك غاب أمل الأردن مع غياب حزب العمل ( الإسرائيلي ) الذي وقع معه اتفاقية وادي عربة، و صعود اليمين الجابوتنسكي الذي لا يرى من وظيفة للأردن إلا بان يكون الحل للفائض البشري الفلسطيني، و ها هي الأردن تتعثر اقتصاديا و اجتماعيا و وجوديا، أما في فلسطين، فلم يعد لدى المواطن الحزين أي أمل في إقامة الدولة، اللهم إلا بعض المنتفعين من استمرار طرح هذا الشعار، و تحولت طموحاته نحو الحصول على تصاريح للدخول إلى أراضي 1948 ليعمل في المستوطنات و المصانع اليهودية هناك .
ولكن، ما الذي أرادته دولة الإمارات و من ورائها البحرين من التطبيع
ومعاهدات السلام مع ( إسرائيل )؟ فلا توجد للدولتين أراض محتلة تريد إعادتها لسيادتها كما في الحالة المصرية، و لا احد يهدد وظيفتها أو يريدها وطنا لآخرين كما في حال الأردن، و لا أحد يطعن في شرعيتها و يحتل أرضها كقيادة منظمة التحرير، فلماذا أقدمت الأمارات و البحرين على ما أقدمتا عليه؟

