- 14 كانون أول 2021
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
ترتبط كل من دولة الإمارات العربية والبحرين مثلها مثل جميع دول البترودولار الخليجية بالسياسات الغربية عامة، و بالسياسات الانجلو – أمريكية خاصة، و لكن جديدا كان قد طرأ على علاقاتها الأمريكية في العقد الأخير، فلم تعد تلك الأنظمة حليفة و تابعه للإدارة الأمريكية – أي إدارة أمريكية كما في السابق، وإنما أخذت جانبا من جوانب السياسة الأمريكية، فالإمارات و السعودية و البحرين التزمت بسياسات الحزب الجمهوري و الرئيس السابق دونالد ترامب، فيما كانت قطر مرتبطة بالإدارة الديمقراطية منذ عهد الرئيس الأسبق باراك اوباما، استثمرت جميعها كل في دعم سيده، ماليا على حساب ثرواتها و صناديقها القومية، و سياسيا و لو على حساب التضامن العربي و الإقليمي و أكثر من ذلك، على حساب أمنها القومي، و هذا ما حصل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، حين استثمرت قطر و دعمت المرشح الديمقراطي الفائز جو بايدن، الأمر الذي أعاد لها دورها و مكانتها في الخليج خاصة ثم في العالم العربي و وصولا إلى أفغانستان، و أنهى بشكل خاطف الحصار الذي كانت قد فرضته عليها الإمارات و السعودية، و أصبح أميرها المنبوذ سابقا، الضيف العزيز الذي يحظى باستقبال استثنائي في السعودية، فيما استثمرت الإمارات و فريقها في دعم الخاسر في السباق، و إن كان استثمارا عاليا في أكلافه، و من ذلك الاستثمار مسارعتها في عملية التطبيع مع ( إسرائيل )، و مشروع السلام الإبراهيمي، الأمر الذي تبجح به الرئيس ترامب انتخابيا، و جعله يدعم صندوقه بمزيد من الأصوات، و إن لم يكن كافيا لفوزه، في نهاية ذلك السباق فازت قطر بخياراتها، و عادت لتكون اللاعب الخليجي الأول، فيما خسرت الإمارات و غيرها ممن استثمر في دونالد ترامب، بالطبع مع بقاء الجميع داخل الصندوق الأمريكي .
تبدأ حسابات الإمارات و الخليج، من أنها حسابات ملوك و أمراء، لا حسابات دول و شعوب و أمة، فهؤلاء يرون في الدعم الأمريكي لهم، ما يبقيهم جالسين على عروشهم، متمتعين بثروات أبناء شعوبهم الحالية و حتى التي لم تولد بعد، و هو أمر تحدث عنه الرئيس السابق ترامب بصراحة و وقاحة مارسها جميع من سبقه و لكن دون هذا الحد من الإعلان، فقد ذكر في خطاب له أمام جمهور ناخبيه في ولاية غرب فرجينيا – أثناء حملته الانتخابية الرئاسية – انه أجرى مكالمة هاتفية مع الملك سلمان السعودي قال له فيها : أيها الملك، أنت تملك كثيرا من المال، و عليك أن تدفع لنا، لأنك لن تكون قادرا على الاحتفاظ بطائرتك الخاصة، أو البقاء لأسبوعين دون دعمنا، عليك أن تدفع مقابل حمايتنا لك . من هنا يعرف الملك السعودي و أقرانه، أن بقاءهم على عروشهم مرتبط بالإدارة الأمريكية، و أن البوابة لدخول حمايتها يجب أن يمر بمحطة إلزامية اسمها ( إسرائيل ) .
هكذا يتضح جليا أن هذه الدول ترى أن لا أمن قومي لديها و إنما أمن الحاكم، و لا اقتصاد وطني لديها و إنما جيب الحاكم و معه قله من أقربائه و جلسائه و بعض الوسطاء و السماسرة العاملين لديه، والولايات المتحدة و ( إسرائيل ) بدورهما حاضرتان: الأولى بشكل مباشر و الثانية كانت بشكل خفي حتى العام الماضي، و مستفيدتان بالمال و السياسة و ذلك بتغييب كل عناصر صراعهما مع الأمة عن الأجندة الخليجية، و هم لا يرونهما تهددانهما طالما التزموا بالدفع المالي و التفريط السياسي .
هذا التطبيع عاظم من دور ( إسرائيل ) السياسي، ففي حين لعبت منذ زمن دور الناظم للعلاقات العربية – الأمريكية، و لكنها زادت عليها إذ أصبحت بفضل التطبيع المعلن منه و الخفي تقضم من دور جامعه الدول العربية و تلعب دور الناظم لبعض العلاقات العربية – العربية، كما يحدث هذه الأيام في توقيع اتفاقات الطاقة الشمسية و الماء بين الأردن و الإمارات و ( إسرائيل )، او وصول المنحة القطرية لغزة، كما سبق لها ان توسطت لدى حكومات عربية بهدف دعم موازنة السلطة ماليا لخشيتها من انهيارها .
في مرحلة سابقة، اتسمت علاقات هؤلاء مع إيران الشاه بالحميمية، و لم يروا حينها في إيران تهديدا لهم أو في المذهب الشيعي ما يتعارض مع أهل السنة و الجماعة، و إنما رأوا التهديد يأتيهم من العراق الذي كان يملك رؤيا قومية و مشاريع تنموية طموحة و قدرة عسكرية قادرة على أن يكون لها قول فصل في الصراعات التي تتهدد الأمة، فكان أن تم توريط العراق في حرب مع إيران ما بعد الشاه، ثم مع الكويت، الأمر الذي أدى في النهاية إلى إخراج العراق من ساح الصراع لا بل و إفلاسه و تمزيقه.
لكن حسابات دول الخليج و الإمارات و البحرين لا تنتهي عند هذه المسالة فقط، و إنما ترى في إيران دولة ناجحة في مشاريعها التنموية، و قدراتها الذاتية في جوانب الصناعة والزراعة و التجارة، كما في التطور العلمي و القدرات العسكرية، و أصبحت إيران بفضل الحصار الطويل المفروض عليها، دولة على قدر من الاكتفاء الذاتي، و هي تتقدم بعلاقاتها مع الصين و روسيا بشكل ينعكس اقتصادا و طرقا و موانئ و استراتيجيا، و مما يزيد من مخاوف هؤلاء، أن إيران عملت بمثابرة على مشروع إقليمي، كفل لها تمددا خارجيا عبر اذرع قوية و مؤثرة، من اليمن إلى العراق و سوريا و لبنان و غزة، و تعمل الآن على مشروع عالمي و ذلك بوصول ناقلات نفطها إلى القارة الأمريكية الجنوبية، دعما لفنزويلا .
مثّل انطلاق المشروع النووي الإيراني سببا إضافيا لهذا القلق، الأمر الذي حاول مرشد إيران أن يبدده بإصداره فتوى شرعية تحرم إنتاج السلاح النووي، باعتباره من أدوات القتل الجماعي و الإبادة، و أكد في مناسبات عديدة على أن المشروع النووي الإيراني هو لأغراض سلمية فقط لا عسكرية، إلا أن ذلك لم يخفف من مخاوفهم ولا من مخاوف ( إسرائيل )، فتشاركتا في التحريض على إيران، الأمر الذي تساوقت معه إدارة ترامب و عطلت العمل بالاتفاق الذي سبق لإدارة الرئيس الأسبق اوباما أن وقعته مع إيران .
نجاح بايدن في الرئاسة الأمريكية، أعاد الملف النووي الذي عطله ترامب للعمل وفق تفاوض جديد مع إيران، و تبدي واشنطن لأسبابها الاستراتيجية رغبة في إنجاح مفاوضاتها مع طهران، و ذلك أمر لم تحسب له الرؤى السياسية الخليجية الضيقة حسابا، فالإدارة الأمريكية تتجه لتتموضع في بحر الصين و لا تريد من يعرقل عليها ذلك، لم تجد الإمارات في ( إسرائيل ) من يقاتل عنها و إنما اتضح أنها من يريد توريطها و توريط الخليج بأسره، بسبب هذا الإدراك المتأخر شد ولي عهد الإمارات رحاله إلى تركيا للقاء أردوغان الذي سبق أن اتهم الإمارات بدور في محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، و دعم الاقتصاد التركي بعشرة مليارات دولار، مقدرا لها ان توقف التدهور في سعر صرف الليرة التركية، فيما زار مستشار الأمن الإماراتي طهران، حاملا رسائل ودودة لقيادتها و موجها دعوة لرئيسها لزيارة الإمارات .
انه إدراك متأخر، و لكنه خير من عدم الإدراك، و مما على الإمارات و غيرها من المطبعين إدراكه أيضا، هو المثل الشعبي القديم الذي يمكن صياغته صياغة عصرية على النحو الآتي: من تدفأ بالأمريكي و ( الإسرائيلي ) ارتجف من شدّة البرد.

