• 17 كانون أول 2021
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : سعادة مصطفى ارشيد

 

نشطت الدولة المصرية منذ عام 2006، في محاولة ترتيب توافق فلسطيني – فلسطيني ، و في العام التالي من اجل عقد مصالحة تنهي الانقسام السياسي و الجغرافي ، الذي حصل في الحسم العسكري لصالح حركة حماس في غزة ، حاورت مصر الأطراف كافة ، طيلة عقد و نصف و في منظور امني لا سياسي ، و هي برغم أنها تشارك السلطة في رام الله في الاصطفاف في محور واحد ، إلا أن مصالحها الحيوية و حاجاتها الأمنية ترتبط بغزة و من يحكمها ، و في الحوار الأخير كانت مصر قد طلبت من الأطراف أن تتقدم كل منها بورقة مكتوبة تحدد رؤاه و مطالبه , ورقة حماس رأت أن المدخل الوحيد للخروج من حالة الاستعصاء هو صندوق الانتخابات الشامل و المتزامن , فيما ترى فتح انها تحتاج إلى بعض الوقت قبل الانتخابات , لتتمكن من تجاوز بعض الأزمات الداخلية , و لترميم وضعها الذي أرهقته سواء الحالة في الضفة , كما أزمة السلطة المالية و السياسية .

عدد من الدول أبدت سابقا و تبدي اهتماما ملحوظا بالمصالحة و حواراتها كما تبدي مصر, فقد زار الرئيس الفلسطيني مؤخرا روسيا التي سبقه لزيارتها بدعوة من قيادتها خصمه اللدود محمد دحلان، فيما أدار مساعد وزير الخارجية بوغدانوف حوارات مع الدكتور موسى أبو مرزوق، أبدت موسكو استعدادها بالمساعدة في استضافة حوار قد يبدأ في محاولة مصالحة  فتح – فتح ثم لينتهي في مصالحة فتح – حماس، و لاحقا زار الرئيس الجزائر و تونس حيث تلقى عروضا مشابهه، و كانت الجزائر هي من اتفق عليه، لاستضافة الحوار قبل نهاية العام  .

فهل يمكن لهذه الجهود أن تؤدي إلى نتيجة بعد أكثر من عقد ونصف من الحوارات و المصالحات، استنفذت بها المفردات و الحجج و الدعوات و الأماني، منها ما هو حول ضرورات الوحدة الوطنية و منها المناشدات بما فيها مناشدات الأسرى و مبادرتهم، كما استنفذت الأماكن بما فيها البيت العتيق بمكة الذي طاف حوله الأطراف الفلسطينية تأكيدا لحسن نواياهم، و لم يكن من مستفيد من كل تلك الجهود إلا الاحتلال الماضي في تنفيذ أجندته في غمرة صراعنا الداخلي، و ربما شركات الطيران و الفنادق التي أقام بها المتحاورون.

عقب معركة الكرامة عام 1968، ارتفعت شعبية التنظيمات المسلحة، فلسطينيا بسبب الانتصار الذي تحقق ( مع الإصرار على تجاهل دور الجيش الأردني )، و عربيا حيث رأت الأنظمة العربية و خاصة مصر عبد الناصر  في المقاومة ما يعوض من هول هزيمة 1967، فكان أن دعمت تلك المنظمات و سيطرت على منظمة التحرير، و مع اختلاف رؤى التنظيمات و خلفياتها و أيديولوجياتها، إلا أن خلافاتها بقيت تحت السيطرة.

الانتفاضة الأولى، أدخلت عنصرا جديدا للساحة الفلسطينية، وذلك حين قررت جماعة الإخوان تجاوز دورها الدعوي  والانخراط  بالمواجهة المباشرة مع الاحتلال، و استطاعت ان تفرض وجودها بامتلاكها آليات عمل أكسبتها جمهورا واسعا، بحث أصبحت تمثل كفة الميزان المقابله لتنظيم فتح، و لكن الخلاف في العقيدة و آليات العمل لم تخرج الحالة الفلسطينية من السيطرة.

لكن خرجت الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية  عن السيطرة اثر التوقيع على اتفاق أوسلو، و ذلك عندما انفرد جزء من قيادة طرف فلسطيني بالتفاوض و التوقيع على هذا الاتفاق الذي فرض نفسه بقوة الرعاية الدولية الغربية و ( إسرائيل )، من هذه البذرة الشيطانية، نمت و ترعرعت حالة الانقسام ووجدت رعاتها من رباعية دولية و جهات عربية و ما تورم في جوفها من مصالح وفوائد المتكسبين على جانبي الانقسام، و كانت حالة السير باتجاه معاكس كلما ابتعدت خطوة تحرق ما وراءها لتحول دون العودة إليها، فأقصى ما يمكن تحقيقه هو إدارة الانقسام أو اقتسام الانقسام، ليصبح كل بما لديهم فرحين و مكتفين، و ها هي الطريقة التي عمل عليها المصريون للخروج من حالة الاستعصاء، تصطدم  بالطرف ( الإسرائيلي ) القوي، الذي افرغ النفوذ المصري من أية قوة، الأمر الذي أزم العلاقة المصرية مع غزة، التي ترى أن على المصريين أن يقلعوا عن دور السمسار أو ممثل (  الإسرائيلي ) الذي يربط إعادة الأعمار بتسليم الجنود ( الإسرائيليين ) الأسرى لديها.

اليوم تبدي الأطراف الفلسطينية جميعها قبولا بالدعوة الجزائرية، فهل تملك الجزائر حظوظا تفوق حظوظ من سبقها؟ علما أن الوضع الفلسطيني والإقليمي قد ازداد تعقيدا و حراجة مرشح للمزيد . تفيد مصادر جزائرية أن الدعوة للحوار كانت بالتوافق مع الرئيس أبو مازن، ولا بد من أنها ملتزمة إلى حد كبير في رؤاه الأمر الذي لا يضعها في موقف محايد، وتقول ذات المصادر أن الجزائر تريد تحرير الفلسطينيين ومصالحتهم ممن يدعون الوصاية عليهم.... و أن يكون على رأس أولوياتها فرض منطق مقاومة يهدف إلى تجسيد مبادرة السلام العربية  - بيروت عام 2002 ( مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز )، و التي تطرح فكرة الانسحاب ( الإسرائيلي ) الكامل من المناطق التي احتلت عام 1967، مقابل التطبيع الكامل، و السؤال الذي يطرحه المواطن البريء : هل  (إسرائيل ) التي تتقدم في التطبيع العربي و تلتهم معظم الأرض الفلسطينية جاهزة لأي قدر و لو كان ضئيلا من ذلك؟ وهل تجديد الالتزام الجماعي العربي تجاه فلسطين ينسجم مع ذلك؟

 مشكله الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني، لم تعد ترتبط بالنوايا و الإرادات الطيبة، و هي لم تعد أوراق يتحكم بها الفلسطيني أو الجزائري المضيف، فهذا الملف أصبح بأيد غريبة، و هي من يقرر في غياب العقل و القلب الفلسطيني، مشكلة الفلسطيني أن ملف المصالحة و إنهاء الانقسام لم يعد بيده و لا بيد الجزائري و لا بيد من تراهم الجزائر يفرضون ويمارسون  وصايتهم على الشأن الفلسطيني، فهذا الملف بيد الأمريكي و ( الإسرائيلي ) أي بيد من يريد تعميق الانقسام. الدعوة الجزائرية لهذه الجولة من الحوار، تمثل حاجة جزائرية في الأساس، وهي ورقة في صراعها مع الجار المغربي، كما هي ورقة مفيدة قبيل القمة التي ستعقد برئاستها في آذار القادم 

وترغب الأطراف الفلسطينية من جانبها بإرضاء الجزائر، كل فريق لحساباته، كما يريد كل فريق أن يظهر بمظهر الساعي للمصالحة لا المعرقل لها، قد ينجح الحوار ويصل إلى نتيجة توافقية كما حصل أكثر من مرة، ولكنها ستبقى حالة مؤقتة يتلوها إحباط شديد عندما تعود الأمور إلى حالتها السابقة، ولا أظن أن هذا الاتفاق يستطيع أن يعمر زمنا يتجاوز آذار القادم موعد القمة العربية وذلك على ابعد تقدير، وأكرر إن حصل الاتفاق.

إنهاء الانقسام الفلسطيني لا يحتاج إلى كل تلك الحوارات السابقة أو اللاحقة والسفر عبر العالم من موسكو إلى الجزائر وما بينهما من عواصم. إنهاء الانقسام يحتاج إلى إرادة سياسية قادرة على أن تتجاوز وعلى أن  تحمل أكلاف الغضب الغربي و ( الإسرائيلي )، و قادرة على إخراج من أصبحت مصالحهم تتناقض مع المصلحة الفلسطينية العليا من جوف الحالة الفلسطينية.