- 1 كانون الثاني 2022
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
ذكرت في مقال سابق أن الوضع في فلسطين ليس بخير، لا في الضفة الغربية و لا في غزة، وقد تكأكأت عليه ضغوط الاحتلال و عدوانيته، و الأزمة المالية و جائحة كورونا و متحوراتها، مع حالة من الفلتان الأمني و الاجتماعي تمثلت في صراعات عشائرية و مناطقية حصدت أرواح مواطنين في عمر الشباب، و أتلفت ممتلكات و أموالا، و لكن مع نهايات هذا العام، فان ملامح جديدة قد ترتسم على ملامح العام الجديد، و قد أخذت تلوح في المشهد و لكنها تحتاج إلى عناية و رعاية و تطوير .
نتحسس هذه الملامح، فنلاحظ أن البديل الطبيعي للصراعات المناطقية و العشائرية يتمثل في تغليب المركزي على الثانوي، الصراع مع الاحتلال لا الصراع مع الاخ و الجار و القريب و الشريك في الوطن، هذا ما حصل بالقرب من برقة شمال نابلس، في العملية الجريئة، و ما لحق بها من ردود فعل على جانبي الصراع، ففي حين استقبل الجانب الفلسطيني هذه العملية بالإشادة و الترحيب – مع الأسف على سرعة اعتقال منفذيها – و لكنها من فورها أخمدت نار الصراع الداخلي و في ذات الوقت أشعلت الأضواء الحمراء لدى الجانب الأخر ( الإسرائيلي )، تمثل ذلك بحالة من الهستيريا أصابت حكومته و جيشه، و جيش ظله غير الرسمي من المستوطنين المدججين بالسلاح و الحقد و الكراهية، المشمول و المغطى بدعم حكومي و رعاية من الأمن و الجيش .
و إذا كانت هذه العملية قد أشعلت الضوء الأحمر في غرف الحكومة و معسكرات الجيش، فإنها في ذات الوقت أشعلت الضوء الأخضر فلسطينيا، إذ أعادت قطار الصراع إلى سكتة الصحيحة، طريق المقاومة و الذي أعاد التأكيد أن جذوة الصراع و إن بدا أنها قد خفتت، إلا أن النسائم اللطيفة قادرة على نفض الرماد عنها و إشعالها من جديد، و لعل للاحتلال و مستوطنيه شيئا من الفضل في ذلك و إن كانوا لا يشكرون عليه و يحسب عليهم لا لهم .
حشد المستوطنون عديدهم من سائر فلسطين المحتلة، و تظاهروا في مكان الحدث و قطعوا الطريق الرئيس بين محافظتي نابلس و جنين، و حاولوا العودة للاستيطان في ذات الموقع، ثم اعتدوا برعاية الجيش على المارة و على مواطني برقة العزل رجالا و نساء و أطفالا، إلا من إرادة الصمود و التحدي، و سارعت جموع القرى المجاورة لنجدتهم، ثم ما لبثت ان زحفت إليهم جموع فلسطينية من أماكن بعيدة .
يدرك العقل السياسي ( الإسرائيلي) و لا بد ( و إن ادعى غير ذلك )،انه بمواجهه جيل جديد مختلف، لم يهزم و إنما مصر على الاستمرار في قتاله، ذئاب منفردة لا يترددون في الاشتباك مع جيش الاحتلال و من مسافات صفرية، و تكمن خطورة التعامل مع هذا الجيل عليهم، انه قد تجاوز سياسات التنسيق و التطبيع، و اثبت أن فلسطينيا جديدا آخذ في التشكل و أن بشكل مغاير للفلسطيني الجديد وفق نسخة الجنرال الأمريكي دايتون، الذي افترض و تبجح بأنه صنع فلسطينيا جديدا، خاضعا و خانعا لإرادة الاحتلال، لا يهمه إلا راتبه و عيشه اليومي، و الذي يرى في المقاومة عدوا لمصالحة الصغيرة، و لا يرى في الاحتلال عدوا، هذا الجيل الجديد و إن كان لديه توجهات سياسية أو عقائدية، وطنية أم دينية، إلا انه لا يتلقى الأوامر و التعليمات إلا من رأسه و لا يملي عليه احد ما يفعل إلا ما ينسجم مع قناعاته فقط، لذلك لا يوجد جهة سياسية أو تنظيمية يمكن ( للإسرائيلي ) التفاوض معها أو الضغط عليها، أو تهديدها، أمر مشابه لما كان في ظاهرة الطعن بالسكاكين أو الدهس بالسيارات في السنوات الماضية .
لا شك بان ( الإسرائيلي ) قوة لديها تفوق وعالية الإمكانيات في مجالات السلاح و العلم و التعقب و غيرها ,و انه يحقق اختراقات تطبيعية فلسطينيا و عربيا و بالقريب إسلاميا إن انضمت اندونيسيا و ماليزيا إلى قوافل المطبعين، و هو يدرك أن للقوة حدودا تقف عندها، لذلك نراه اليوم يعمل بطريقة الاحتواء المتعدد الأطراف، فهو يتعامل مع جهات فلسطينية تنسيقا بجوانب مختلفة، و التزاما بالجزء الذي بهمة و يعود عليه بالفائدة من الاتفاقات السابقة، فيما يحرض مستوطنيه على الاعتداء على الفلسطيني غير الرسمي و تهديد حياته و بقائه و أرضه، و في جانب ثالث يستمر في التضييق و الحصار على فلسطيني ثالث، و يحول دون اعمار ما دمرته آلته الحربية لديه، إلا في حال التزم بشروطه التي لا تنتهي .
في الجالب ( الإسرائيلي ) هناك من يدرك و يعرف و لا شك، إلى أين سينتهي هذا الصراع في نهاية مطافه، و أن التناقض ما بين المشروع الصهيوني برؤاه و عقيدته و وظيفته مع الأمة بأسرها، هو تناقض لا يمكن جسره، و أن ما يمكن أن يفعله هو إطالة أمد الصراع و سياسة شراء الوقت، و من أهدافه التي سنراها قريبا أن يحول الصراع في الضفة الغربية إلى صراع بين الفلسطيني و المستوطن، فيما يبقى هو الحكم غير المحايد و القاضي غير النزيه .
في الجانب الفلسطيني هناك من لا زال يراهن على خيارات سبق ان جربت المرة تلو المرة، و ثبت تهافتها في كل مرة، لا خروج عن خيار التفاوض و التنسيق الذي لا يستطيع إنهاء صراع وجودي، و الاعتقاد أن المسالة الفلسطينية لم تعد مسالة شعب و حق و ارض و وجود، و إنما مسالة عيش تنتهي حدودها عند فتات تسهيل أو راتب أو دعم مالي من جهات خارجية , الأخبار لا تشجع , فبحسب ما اوردتة القناة ( الإسرائيلية ) التاسعة أن اللقاء الفلسطيني – الإسرائيلي عالي المستوى الخير الذي عقد الثلاثاء الماضي قد بحث أمورا أمنية و اقتصادية و تسهيلات , و قد تمخض حسب المصدر نفسة , عن إصدار وزير الدفاع تعليماته لإصدار 600 تصريح لرجال أعمال كبار يتيح لهم دخول مناطق 1948 و عن 500 تصريح آخر يسمح بدخول حامليه بمركباتهم و عشرات تصاريح V I P لكبار الشخصيات و المسئولين .
ملامح جديدة قد نراها في عام 2022، و هي فرصة يستطيع الفلسطيني أثناءها، إن توفرت لديه الإرادة السياسية، و على الاختيار بين المصالحة الحقيقية، و الفتات المطروح عليه، و حتى على تخفيض مستوى المسألة من المستوى السياسي إلى المستوى الأمني – الاقتصادي ... أن يحافظ على جذوة الصراع و أن يعمل على أن تكون مدخلا لحل أزماته الداخلية لا العشائرية و المناطقية فحسب، و إنما السياسية، باعتبار الوحدة على قاعدة المقاومة هي المدخل للوحدة الوطنية و إنهاء الانقسام، مع التكرار و التذكير بعبارة : إن توفرت الإرادة السياسية , فهل تتوفر مثل هذه الإرادة ؟

