• 28 كانون الثاني 2022
  • أقلام مقدسية

 

 بقلم : سعادة مصطفى ارشيد 

 

 قبل حوالي السنتين أعلنت الإمارات انسحابها من تحالف الحرب على اليمن، و مع أن أحدا لم يصدق تماما الإعلان الإماراتي، إلا إنه كان دليلا على أن الإمارات يائسة تماما من تحقيق أي انتصار، و أنها مدركة تمام الإدراك إلى أين تسير العمليات العسكرية و ماذا ينتظرها عند خط النهاية، لذلك رأت أن ليس في صالحها أن تكون مهزومة، و الفرار أسلم في هذه الحالة، كان ذلك الإعلان مرضيا لليمنيين و حلفائهم، و قد لاحظوا و عرفوا بمجساتهم الأمنية إحجام وتردد العمالقة و ضعف إمداداتهم، و هم المليشيا المدعومة من الإمارات .

 لكن وضع السعوديين المرهق في جبهة مأرب ذات الموقع الاستراتيجي و الأهمية النفطية، اضطرهم لممارسة ضغط على الإمارات، مترافقا مع رغبة أنجلو أمريكية، جعل الإمارات تتورط من جديد بإرسال سفينة محملة بأسلحة و معدات و ذخائر و مركبات قتالية على درجة عالية من الكفاءة العسكرية، السفينة وقعت أسيرة و غنيمة ثمينة لصنعاء، و لم تدرك الإمارات أن صنعاء و حلفاءها لديهم القدرة التكنولوجية – الأمنية و اليقظة الكافية لمعرفة أخبار السفينة و مسارها.

 مثّل كشف موضوع السفينة تأكيدا لظنون اليمن بأن الإمارات لم تخرج أصلا من تحالف الحرب عليها، لذلك كان لا بد من الرد الرادع فلا يفل الحديد إلا الحديد, و لا تطفئ مياه حسن النية النار التي تصيب اليمن إذ لا يطفئها إلا النار المضادة ، عبر الطائرات المسيرة و الصواريخ التي هزت بدويها الهدوء الذي تنعم به إمارة الرخاء و الازدهار ، و هي وأن أصابت معظم أهدافها، إلا أنها أصابت بشكل غير مباشر أهدافا أخرى، و لكن بغير دوي، أي بالمعني الاستراتيجي و النفسي، قارعة أجراس الإنذار و موقعة حالة من الرعب في أوساط أعداء اليمن المباشرين كالسعودية، وأشباه المباشرين ( كإسرائيل ) و الولايات المتحدة و ما و من يليهم من ملحقات، بعد الضربات اليمنية كما بعد الرد السعودي الإماراتي الذي طال صعده و صنعاء و الحديدة و أوقع مئات من المدنيين قتلى ، الأمر الذي بدا جليا في سرعة ردودهم و بياناتهم التي جاء بعضها محرجا مرتبكا و بعض آخر مصعدا و مورطا و بعض ثالث متهافتا لا يستحق التوقف عنده.

 على رأس المحرجين كانت واشنطن، و التي لا تستطيع قبول الرد الإماراتي السعودي – و لو ظاهريا، و الذي استهدف البشر و الشجر و الحجر، اتصل وزير الخارجية بلنكن بنظيره السعودي مطالبا أطراف الحرب بالالتزام بأحكام القانون الدولي الإنساني، داعيا إلى ضرورة إنهاء الحرب وحل الخلاف بالوسائل السلمية، و أنهى مجاملا ليقول إن بلاده ملتزمة بالدفاع عن السعودية , كما بدا الإحراج و الارتباك الأمريكي واضحا أيضا في تصريحات موظفي الإدارة الأمريكية , فقد قال احدهم لصحيفة (وال ستريت جورنال ) wall street journal أن قرار صنعا بضرب الإمارات كان قرارا يمنيا مستقلا ,ذهب آخرون لاتهام طهران بتحريض صنعاء و المشاركة في قرار الهجوم على الإمارات .

 رئيس الوزراء ( الإسرائيلي ) نفتالي بينيت اتصل بولي عهد الإمارات مصعدا و مدينا العدوان اليمني و مؤكدا حق الإمارات بضرب اليمن و مؤكدا على دور إيران في هذا العدوان، كما أكد استعداد حكومته للوقوف مع الإمارات بالدبلوماسية و المعلومات الأمنية، طلبت الإمارات من حليفها الجديد صواريخ باتريوت و بناء قباب حديدية و هو الأمر الذي كان من الأولى ان تطلبه من واشنطن صاحبة القرار، ثم إنّ بناء القباب الحديدية مسألة تستغرق وقتا لن تستطيع الإمارات انتظاره في حال كثفت صنعاء من إطلاق صواريخها و مسيراتها، مع التذكير بان لا منظومات الباتريوت و لا القبة الحديدية أثبتت فعالية في معركة سيف القدس التي جرت منذ أشهر بين الاحتلال و المقاومة في غزة .

 القصف اليمني لم يقتصر على الصواريخ و المسيرات، و إنما ترافق مع قصف كلامي يوازي في ضرره على الإمارات القصف الأول، و هو ما ورد على لسان الناطق العسكري اليمني يحيى سريع الذي أكد أن الإمارات لم تعد كما تدعي بأنها واحة الأمن و الاستقرار و الاستثمار المضمون، و إنما قد أصبحت بيئة غير آمنة لا للعيش ولا للاستثمار، و أنّه ينصح الشركات و المستثمرين بمغادرتها، و بما أن رأس المال جبان بطبعه فلا بد أن آذان المستثمرين قد التقطت كلام سريع بالجدية المطلوبة .

 الإمارات بدورها و منذ اللحظة الأولى تصرفت على مستويين سريعين و مستوى ثالث جدي و صامت، تمثل المستوى الأول بتصريحات المستشار السياسي لولي عهد الإمارات أنور قرقاش الذي هدد و توعد، و المستوى الثاني بالغارات التي استهدف اليمن بشكل عشوائي أصاب المدنيين و مثل مأزقا إعلامي لهم، في حين قاد المسار الثالث مسئول الأمن الشيخ طحنون بن زايد الذي أجرى اتصالاته السريعة مع طهران التي كان ضيفا عليها مؤخرا، و التي افترض انه قد أقام علاقات دافئة معها سوف تتيح له الطلب المستجاب بان تتدخل طهران لدى انصار الله و تدعوهم لوقف استهداف الإمارات , الرد الإيراني كان أن عليه الاتصال و ترتيب أموره مع صنعاء بشكل مباشر، فالقرار هناك و ليس في طهران، و طهران منهمكة في محادثات النووي مع واشنطن و لا تريد أن تدخل ملفات تراها فرعية على الملف الرئيسي، الأمر الذي لو حصل لدخلت في مقايضات هي في غنى عنها، و لم يجد الشيخ طحنون على ما يبدو من يلجأ إليه إلا مسقط و سلطانها هيثم بن طارق ، حيث تقوم عمان بالوساطة بين الطرفين .

 لا يغيب عن البال أن مجاملة بلنكن لنظيره السعودي بقوله: إنّ واشنطن ملتزمة بالدفاع عن بلاده لا تعني على الإطلاق أنها مستعدة للقتال من أجلها، و إنما تعني بيعها مزيد من السلاح بالسعر المرتفع الذي تحدده، أما اعتقاد الإمارات بأن حليفها الجديد ( إسرائيل ) سيقاتل معها فهو اعتقاد بائس و قصير النظر، ( فإسرائيل ) لا تقاتل إلا من اجل ( إسرائيل ) .

 السعودية و الإمارات قد وصلتا إلى أقصى مدى يمكن أن تصلان إليه مستنفذتان كامل أدواتهما من مال و نفوذ و قوة و سلاح و حقد و لم يعد لديهما المزيد، فيما عليهما انتظار مزيد من المفاجآت اليمنية، و قد وصلتهما الهبة الثانية من الإعصار اليمني الاثنين الماضي .

 بعض مشيخات البترو دولار, ظنت في عقد الربيع الزائف، بأنها دول عظمى، ستفرض إرادتها، و للدقة إرادة مشغليها، و أنها بما تملك من وظيفة و فوائض مالية، و قنوات فضائية إخبارية، قادرة على أن تنفذ الأجندات المطلوبة منها بتوظيف معارضين لهم سعر بخس، فدست أنفها و دولاراتها في السودان و ليبيا و العراق و سوريا، و ظنت أن بمقدورها- لا إسقاط الأنظمة فحسب- و إنما الدول بعينها و تمزيقها و تمزيق مجتمعاتها، و لكنها في اليمن وقعت في شر أعمالها و ستشرب من ذات الكاس التي سبق أن جرعتها للآخرين و قديما قال أحد شعراء المعلقات:

 وما الحرب إلا ما علمتم و ذقتموا وما هو عنها بالحديث المرجم