• 14 آذار 2022
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : الشيخ مازن اهرام 

 

وتلك الأيام نداولها بين الناس ولكل قوم عيد فما أكثر الأعياد وتعددت المواسم يوم عيد المرأة وعيد الحُب وعيد الأم وأخر عيد الشجرة وثالث عيد العمال ويوم الأرض ويوم اليتيم وعيد الثورات والانقلابات وعيد المساخر و..... 

معنى العيد

فالعيد اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد عائد 

وقال ابن عابدين – رحمه الله سُمي العيد بهذا الاسم لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان  أي   أنواع الإحسان العائدة على عباده في كل يوم  منها   الفطر بعد المنع عن الطعام   وصدقة الفطر   وإتمام الحج بطواف الزيارة   ولحوم الأضاحي   وغير ذلك  ولأن العادة فيه الفرح والسرور والنشاط والحبور    

وقد حرصت الشرائع السماوية على الإحسان للوالدين والاحترام والتقدير لهما وليس فقط في يوم واحد بالسنة بل في كل يوم ومناسبة وموقف  

وقال تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً.: 

جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: مَن أَحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أَبُوكَ. وفي حَديثِ قُتَيْبَةَ: مَن أَحَقُّ بحُسْنِ صَحَابَتي وَلَمْ يَذْكُرِ النَّاسَ. 

 وكما قال الشاعر حافظ إبراهيم 

 

 الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها           أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

 الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا        بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ

الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى           شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ

اللهم ارزق امي عيشاً قاراً، ورزقاً داراً، وعملاً بارا اللهم ولا تتوفاها إلّا وهي راضية عنّا تمام الرضى اللهمَّ لا تجعل لوالدتي ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولها فيها صلاح إلا قضيتها، اللهمَّ ولا تجعل لها حاجة عند أحد غيرك، اللهمَّ وأقرَّ عينيها بما تتمناه لنا في الدنيا والأخرة  واحفظ اللهم أمهات  العالم  بصحة وعافية 

يصادف يوم 21 مارس   عيد الأم وهي مناسبة تحتفل بها كل دول العالم العربي من كل عام تكريماً للأمهات وتقديراً لتضحياتهن وعرفاناً ووفاء بما يقدمونه لأبنائهن وأسرهن.

لكن من أين جاءت الفكرة.. ومن صاحبها؟ 

الفكرة بدأت فرعونية ثم إغريقية ثم أميركية وأخيراً مصرية وترجع تفاصيل تسلسلها لأزمة تاريخية متعاقبة ولأفكار نشطاء جددوا الفكرة وطوروها حتى وصلت لعصرنا بصورتها الحالية.

يقول الدكتور محمد بكر رئيس هيئة الأثار المصرية الأسبق إن الفراعنة اهتموا بالأم والمرأة، وتشهد معابدهم في دندرة وسمنود كيف كانوا يحتفلون بالمرأة والأم، ويقدمونها للعالم كقديسة بل كانوا يعتبرونها سر الحياة وسببها.

ويكشف أستاذ الآثار المصري أن إيزيس، وهي ملكة فرعونية قديمة، كانت رمزاً مصرياً للاحتفال بالأم المصرية القديمة، ورمزاً للأمومة، واعتاد المصريون القدماء إقامة مواكب من الزهور تطوف المدن المصرية في هذا اليوم احتفالاً بالأم، كما احتفل بها اليونانيون والرومانيون.

وتوالت الاحتفالات في العالم كلُ على طريقته وهواه فماذا نقول لمن فقد أُمه سواء كان طفلاً صغيراً أو يافعاً فأين حنان الأم التي يأوي إليها الإنسان في أشد الظروف والليالي الحالكات و ملحمة الأحزان وغربة الأوطان
لقد أودع الله سرّ العاطفة في الأم، أعتقد لو جرت تقسيمات في رحمة الإنسان للإنسان لوجدنا أن أكثر الناس رحمة هي الأم بأبنائها، تخشى أن يشاكوا بشوكة، تخشى عليهم برد الشتاء وحرّ الصيف، تخشى عليهم الجوع والضُّر، فكيف بأم تعلم يقيناً أن ابنها مسّه الضرّ وهي عاجزة عن مساعدته فأمهات المقدسيات والفلسطينيات على شاكلة هذه الأم.

أصعب الصور تتمثل في فقدان الأحبة من خلال ما يقوم به الاحتلال بقتل الفلسطينيين، لتتحول المرأة الى أرملة أو أم لأيتام. في هذه الحالة، لا يمكن للأم المكلومة أن تكون بذاكرة قصيرة أبدا، إذ يصاحبها الحزن وكثير من الأعباء الجديدة نتيجة فقدان الشريك أو المعيل. وهنا، لابد أن نتذكر عشرات آلاف الشهداء الذين يرحلون تاركين خلفهم حزنا ومعاناة 

الام الفلسطينية والعربية التي دونت بدمائها ونضالها أمجاد المناضلات   نساء الأرض رمز الصمود والكفاح

 فلك سيدتي تحية إجلال واكبار يا صانعة الرجال، يا زوجة الأسير، يا راعية الأيتام والمسننين، يا أم الشهيد، يطل العيد خجلا   ولكن انتي أجمل الامهات وفي ظل هذه الظروف تختنق الكلمات مع إطلالة عيد الأم، والأم الفلسطينية تستقبله بمرارة وحزن ودموع يترجم لحظات الألم التي تعيشها في الوقت الذي تحتفل فيه جميع أمهات العالم بهذا اليوم ويتقبلن التهاني والهدايا من أبنائهن

نعم إنه عيد الامهات عيد تتجلى به كل معاني التضحيات ونكران الذات الى روح أمي وكل امهات الشهداء عيدكم مبارك فقد انجبتن أبطالاً رووا بدمائهم تراب أوطانهم 

الأم الفلسطينية داخل الأرض الفلسطينيّة تختلف عن جميع الأمهات في سائر الأرض بتضحياتها التي أذهلت بها الكون، فكانت تلك التضحيات تُسجل على مدى اللحظات والأيام  مثالاً للصمود والتحدي  والصبر  وكان ناتج هذا الصبر والتضحية الثبات حتى يومنا هذا في الأرض الفلسطينيّة  والحفاظ على الهوية من الضياع  قدمت الأم الفلسطينيّة على مدى عقودٍ طويلة الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين  حيث كانت تتلقى الأمر بثبات وشجاعة وصمود  حيث نراها هنا تودع ابنها الشهيد بزغاريد الزفاف  وتَفخر بأنّها قدّمت بطلاً لأرضها  ونراها من ناحيةٍ أخرى تُضمد جراح من أصيب  وإن لم تجد ما تضمد به مزّقت من ثيابها  ولا تنام لها عين حتى يبرأ الجريح أي أُم تلك  التي تربعت فوق الجراحات شامخة كزيتونة  ضربت جذورها في ارض فلسطين منذ مئات السنين
وأم ودعت الدنيا دون أن تكتحل عينيها برؤية ابنها الاسير  وهناك أم شهيد تستذكر في هذا اليوم اللحظات التي كان يحف ابنها جنبات البيت بالفرح والابتسامة مقدما لها قبلة وباقة من الورد وهناك أم قتل الاحتلال زوجها بدم بارد وهناك امرأة قتل الاحتلال أمومتها بعدما اغتال الاحتلال الصهيوني زوجها دون أن تنجب منه ولو طفل وهناك أم دفعها الفقر والجوع وخاصة بعد الحصار الصهيوني 

من هنا نوجه تحية إلى الأم الفلسطينية صانعة الرجال وهي ترسم البسمة على شفاه أفراد أسرتها جميعًا، وتأبى إلا أن ترسمها على شفاه وطنها الجريح الذي ينزف وجعًا من العدوان والاحتلال والاستيطان   والقتل بشتى أنواعه والدمار والتجريف لبيوت المواطنين 

الأم الفلسطينية، هي جزء من أمهات العالم، لكنها ليست كأي أم أخرى، فهي لا تشبه أحداً بعظمتها ولا أحدا يشبهها بصبرها وجلدها وقوة تحملها إنها امرأة من المستحيل أن تكون عادية وهي الأم التي جسدّت صوراً متعددة، وأظهرت قدرات خارقة في حجم العطاء والتضحية وقوة الصبر والتحمل للألم والمشاق والوجع، وسجلت أروع صفحات البطولة والمجد في ساحات المواجهة والاشتباك مع المحتل وتميزت بمقاومتها الباسلة وتضحياتها الجسام ومواقفها البطولية خلال مسيرة سنوات خلت من عمرها وسطّرت روايات قد يُخيل للبعض أنها من وحي الخيال

وأمهاتنا وأمهات الأسرى والمعتقلين لهن من ذاك التاريخ حصة، ومن تلك المسيرة نصيب أمهات ماجدات من نوع خاص نعجز عن وصفهن بالكلمات المستحقة أو إيفائهن من الحق ما يليق بمكانتهن ومعاناتهن وتاريخهن أمهات عظيمات بعضهن رحلن دون رجعة وتوارين عن الأنظار فجأة، دون أن يُسمح لنا بوداعهن، ودون أن تتاح الفرصة لأبنائهن الأسرى ليقبلهن قبلة الوداع الأخير

وفي الختام صلوا على من أوصانا بها ثلاثاً