- 17 آذار 2022
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
شكلت أزمة المناخ العالمية تهديدا يمس سلامة الكوكب و من يعيش عليه من بشر و حيوان و نبات و ذلك لما يحدث من احترار في الجو، الأمر الذي أدى إلى عقد أول قمة المناخ العالمية في ستوكهولم / السويد عام 1972, بلغ عدد القمم ستة وعشرين قمة، و كان آخرها القمة التي عقدت لشهور مضت في جلاسكو / اسكتلنده .
الأسباب التي أدت إلى هذا الاحترار و الثقوب الثاقبة لطبقة الاوزون في الغلاف الجوي للكوكب تعود إلى الانبعاثات الصادرة عن استخدام مصادر غير نظيفة للطاقة مثل الفحم الحجري و البترول، و قد رأت بعض الدول و الشعوب في ذلك الزمن في قمة المناخ الأولى أن بها نوعاً من الترف و شيئاً من التكلف الزائد، فيما أدركت دول أخرى و بشكل مبكر أهمية البحث عن مصادر طاقه أكثر نظافة .
و بما أن المعرفة قوة، فان الدول التي امتلكت المعرفة- القوة ، قدرت ذلك و بحثت عن مصادر نظيفة للطاقة و أجرت أبحاثها و مسوحها ، ثم طورت من صناعاتها بما يتواءم معها، فكانت هي الأسرع بالمبادرة و العمل على حجز مواقعها و أماكنها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تركيا التي امتلكت معلومات عن تواجد احتياطي ضخم من الغاز في شرق المتوسط، تحركت مبكرا فقامت بغزو قبرص عام 1947 و قسمتها و أطاحت برئيسها المطران مكاريوس، بالطبع تذرعت تركيا بذرائع عدة و منها ذريعة الدفاع عن القبارصة الأتراك و حقوقهم، و لكن الغاز هو السبب الحقيقي و هو السر وراء ذلك الغزو الذي لم يعرف إلا مؤخرا، مثال آخر و هو معرفة شركات النفط الأمريكية بمخزون الغاز في قطر دفعها لتحريض السعودية على محاولة غزوها في مطلع التسعينات من القرن الماضي، و لطرد شركة توتال الفرنسية .
مصادر الطاقة النظيفة التي يتم العمل عليها في المدى المتوسط و البعيد تشمل توليد الكهرباء من الطاقة النووية و من أشعه الشمس و حركة الرياح و ما إلى ذلك، أما الغاز فهو البديل قصير المدى و المعمول به الآن.
لإنتاج الغاز عمالقته الكبار و من هؤلاء العمالقة عالميا مجموعه من شركات النفط الأمريكية المتشاركة مع قطر عبر شركة (كيوتل )، و هؤلاء يصدرون الغاز من خلال تحميله على ناقلات ( بواخر ) و بتكلفة نقل عالية و يحتاج وصوله للأسواق لزمن طويل نسبيا، أما العملاق الغازي الثاني فهو الاتحاد الروسي و شركته الحكومية ( غاز برووم ) التي تصدر الغاز إلى أوروبا عبر أنابيب نورد ستريم 1 السريع و منخفض التكلفة.
روسيا الناهضة من رماد ما بعد مرحلتي غورباتشوف و يلتسين، سرعان ما أصبحت هدفا للغرب يجب محاصرته، و ضرب تجارته بالغاز التي تمثل الداعم الأكبر للاقتصاد و لعمليه النهوض الروسي، وفكان لا بد من إيجاد منافس للغاز الروسي و ذلك بمد خطوط غاز برية للغاز القطري عبر الأراضي السورية إلى ساحل المتوسط و من هناك إلى أوروبا، الأمر الذي رفضته دمشق وفاء و التزاما مع الحليف الروسي برغم ما في ذلك من فوائد و إغراءات، فكانت حرب الغاز الأولى، الحرب على سورية و في سورية، و إن ألبست ثوب الديمقراطية و الحريات و ما تهافت من قصص طلاب مدرسة في درعا، و قد كشف عن ذلك مؤخرا بصراحة ( أو بوقاحة ) حمد بن جاسم، أحد اكبر مهندسي تدمير سورية، ما تقدم و مقادير الغاز التي تستبطنه السواحل السورية ، لا بد و أن تؤكد للقيادة الروسية ما للعلاقة مع سورية من أهمية للأمن القومي الروسي، و التي لا تتوقف عند ميناء طرطوس و قاعدة احميميم، و لهذا أيضا يمكن فهم مشاريع إقلاق و تجويع لبنان التي تفتعلها ( إسرائيل ) عبر أدواتها في قضية ترسيم الحدود البحرية، و تحريضها لتلك الأدوات لإخراج روسيا من التنافس على الغاز لصالح الشركات الأمريكية، كما محاولتها التهام 850 كلم مربع من المياه الإقليمية للبنان و التي كانت ستأخذها لقمة سائغة لولا وجود المقاومة القوي، فيما تقترح الوساطة الأمريكية أن تقوم شركاتها باستثمار الغاز في الحقول المشتركة و إسالته و بيعه ثم توزيع الأرباح بين لبنان و ( إسرائيل) .
يعمل الحلف الأمريكي الغربي على تنظيم سوق الغاز، فتم في عام 2019 تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط من الأعضاء المؤسسين مصر و الأردن و فلسطين و ( إسرائيل ) و اليونان و ايطاليا و قبرص اليونانية، و في العام التالي تم التوقيع على اتفاقيه تجعل منه منظمة إقليمية، حدد وزير الطاقة ( الإسرائيلي ) في حينه أهدافا اضافيه لها : أن هذه المنظمة الإقليمية - المنتدى ستساعد في إحلال السلام و دفع عجله التطبيع مع دول عربية، وهي ستعزز من دور بلاده الرائد في تجارة الغاز مع جيرانها العرب و أوروبا .
هكذا نرى أن الغاز هو عنوان القرن الواحد و العشرين، و كلما تقدم الزمن تزداد أهميته و تعقيداته أكثر فأكثر، الجميع أصبح عارفا بمقدار أهمية هذه السلعة التي تستحق شن الحروب من اجلها عند من يستطيع، أو ابتلاع اللسان عند من لا يستطيع كحال ألمانيا، التي ارتفع صوتها حينا بالهجوم على روسيا و على عمليتها العسكرية في أوكرانيا، و لكن خط نورد ستريم 1 لا زال يعمل بكامل طاقته مزودا ألمانيا بالغاز الروسي بسعره الجديد، و مزودا روسيا بما يقارب ملياري دولار كل صباح و هو الشريان الذي يمدها بالقوة على مقاومة أشكال الحصار الأخرى و على تمويل جيشها في أوكرانيا .
قبل عقدين من الزمن كان النفط، وللتذكير أن الأمريكي عندما دخل بغداد، لم يكن على رأس أولوياته المقار الرئاسية للرئيس العراقي أو قيادة الجيش والأمن و وزارة الدفاع و إنما توجهه أول ما توجهه لوزارة البترول، أما في العالم اليوم انه الغاز، أما حالنا فهو يشابه القول أن هنالك من يأكل الحصرم فيما نحن شعوبا و قبائل من تضرس بأحماضه، فنصيبنا من النفط و الغاز هو طبقات حكم متهافتة و تقسيم أوطان.

