• 27 آذار 2022
  • أقلام مقدسية

 

 

 

 

 

 بقلم :  الشيخ مازن اهرام 

 

كل عام والقدس بألف خير كل عام والأقصى تحرر كل عام والعالم العربي والإسلامي لعله يصحوا من سُباته وغفلته بخير كل عام ويأتي شهر رمضان على العالم وقد تحقق الأمن والأمان والسلام بخير كل عام وأضحى العباد والبلاد بخير 

رمضان في القدس زينة واحتفال وتعبد وذكر وجموع ترابط في أركان وباحات المسجد الأقصى وصوت مدفع يدوي في السماء ينطلق عند الغروب مع آذان المغرب لتبدأ وجبة الإفطار معلناً تمام صوم النهار ثم ينطلق المدفع فجراً ليعلن بداية صوم يوم جديد وقد شكّل مدفع رمضان جزءً من الثقافة العربية في البلاد أيضًا حيث كان له تقاليد وطقوسه الخاصة التي تجاوزت في الكثير من الأحيان غاياتها الدينيّة والاجتماعيّة   وتتوالى أيام الشهر الكريم من صيام وصلاة التراويح واعتكاف وتلاوة للقرآن الكريم وصلة   للأرحام وفرحة الأطفال وملابس العيد وهكذا.... 

 ومسحراتي يتطوّع لإيقاظ السكان للسحور وأداء صلاة الفجر مزواجا بين الضرب على الطبل وترديد عبارات من قبيل "يا نايم وحّد الدايم" و"قوموا على سحوركم أجا رمضان يزوركم". وبدءا من ليلة القدر، يبدأ المسحراتي في جمع "العيديات" من أهالي المدينة تعبيرا منهم عن الشكر والامتنان لما أسداه لهم من خدمات  

بقية أيام السنة  تكاد المدينة خاوية  على عروشها فيهجرها الناس  وتبقى أحياؤها فارغة  إلا من مارة قلائل  ويتكرر المشهد لحظات الفطور في رمضان  حيث تخلو الشوارع والأحياء من جموع الناس الذين يحضرون بازدحام بعد الإفطار  وتبقى الزينة وحدها تنير الطرقات والدروب  لانتظار توافد الصائمين لقضاء سهرة من سهرات العمر 

كعادة كل العالم الإسلامي يهب الفلسطيني من أجل اقتناء الحاجات الأساسية والمواد الغذائية احتفاء وتحضيرا لشهر رمضان ولإتحاف مائدته بصنوف الأكل بعد عناء ومشقة اليوم   وما يميز الأسواق الفلسطينية عبق التاريخ الممتد من الماضي إلى الحاضر عبر جسر تعاقب الأجيال فامتزجت بصبغتها الإسلامية في كثير منها كسوق الخان في مدينة القدس وعندما تدخل هذه الأسواق تفوح منها رائحة التاريخ بامتياز ويتصل التاريخ العربي كله في نقطة مقدسية محضة وتلتقي الحضارات مجتمعة عند أبواب مدينة القدس وكل هذا جميل وطيب 

وتنتشر أنواع من الألبسة الخاصة برمضان والفوانيس التي تجذب عيون الأطفال من كل صوب وتجد هذه الفوانيس معلقة على جدران وأسقف هذه الأسواق القديمة وكأنها تهنيء الزائرين بقدوم شهر رمضان وتعلن رسميا دخولها الشهر الفضيل وتغير من ديكورها وأضواءها بنكهة رمضانية إسلامية عربية مقدسية وفلسطينية وكأنها أيضا تعلن في كل ثانية عن حاضنتها العربية والإسلامية وتكذب الزيف والتزوير التاريخي الذي ينادي به البعض  ولكم في أسواق فلسطين عبق التاريخ ورونق الحضارة بعد صلاة التراويح وقبل الفجر وضمن أمسيات رمضانية في البلدة القديمة بحضور أهالي المدينة وزوارها  يسرد حكواتي القدس قصص تاريخية وتثقيفية لإحياء البلدة القديمة والحفاظ على عروبتها

والزائر لا سواق المدينة العتيقة التي تضج بالتاريخ  تهب عليه نسمات الحلويات التي اتقنها المقدسي  مبكرا من عمر التاريخ  ويشم روائح الفلافل التي تفوح على بعد كيلو مترات  وتكاد رائحة القهوة “بالهيل” تطغى على كل الروائح لكأنها تستدعي الشهية للشراء ولا أنسى البهارات التي تغري المارة من المشترين لتزين أطباقهم بها  وكثير من المشروبات عرق السوس  والخروب وعصير اللوز  ويكاد صوت الباعة المميز والذي يحسنونه كأنه صنعة امتدت من الكنعاني إلى الجيل الحاضر  ليستمر هذا التقليد بل هذا الفن مستقبلا ليربط الأجيال من الباعة كابراً عن كابر  والطريف في الأمر أن لكل منطقة فلسطينية لهجتها فتجد تنوع نداءات الباعة بين الصوت واللهجة والنبرة والطريقة منها ما يضحكك ومنه ما يسرك ومنه ما يدهشك ومنه ما يطربك حتى أن البعض تحت سطوة الطرب والإعجاب يذهب للشراء من هذا البائع او ذاك كلُ يعرض بضاعته ويُروجها ببراعة فتجد مدخل باب العامود لوحةً فسيفسائية رُسمت في الدروب والطرقات بشتى أنواع المعروضات تُنادي انا القدس فمن مثلي في العالم انا حاضنة الأنبياء والمرسلين  وأهلي عمارها حفدة  الأولياء والصالحين هنا وُلدنا وهنا حيينا   وهنا عشقنا  في كل زاوية لنا حكاية يسردها الزمان ويوثقها  المكان  ويتناقلها جيل وراء جيل  فهل عرفت القدس يا قارئ التاريخ 

اليوم رمضان ليس كرمضان الذي سبق كل شيء تغير واختلف وما عادت نكهة رمضان في القدس كسابق عهدها 

اذكر ان الأهل عندما كنا أطفال صغار وفي مُقتبل اعمارنا كنا نصوم درج الصخرة أول عشرة أيام من الشهر الفضيل نصوم لوقت الظهيرة ثم تليها العشرة الوسطى تمدد ساعات الصوم وفي العشرة الأخيرة نصوم طيلة النهار فيكتمل صيام اليوم 

تبدأ الوالدة بطهي الطعام بالحلة الكبيرة وعيوننا ترمق النظر ناهيك عن رائحة الطعام الطيبة نرتب مائدة الطعام (الطبلية) وتبدأ الوالدة بسكب عدة صحون خُذ يافا روق هذا الصحن لجارتنا ام العبد وانت فايز وهذا الصحن لجارتنا ام محمود وانت مازن هذا الصحن لجارتنا ام سارة وانت أسامة هذا الصحن لجارتنا ام جريس فهي تصوم شهر رمضان سوياً معنا ... نحدق بأعيننا الى الحلة الكبيرة وقد اوشكت ان تلقي ما فيها وتخلت ولم يبق بجوفها بقية من طعام ؟؟

يقول الوالد لا عليكم احبابي اسمعوا ما يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وآلة وصحبه وسلم  ( عَن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: مَنْ فَطَّرَ صَائمًا، كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أجْر الصَّائمِ شيءٍ.)وان شهر رمضان الكريم تتجلى فيه رحمة الله على عباده بالمودة والمحبة  والإيثار  و

حرص الإسلام بتعاليمه وشرائعه على تنظيم علاقة الناس بربهم تبارك وتعالى   حتى ينالوا السعادة في الدنيا والآخرة   وفي الوقت ذاته شرع لهم ما ينظم علاقتهم بعضهم ببعض   حتى تسود الألفة والمحبة في المجتمع المسلم   ولا يتحقق ذلك إلا إذا حرص كل فرد من أفراده على مصلحة غيره حرصه على مصلحته الشخصية   وبذلك ينشأ المجتمع الإسلامي قويّ الروابط   متين الأساس ومن أجل هذا الهدف  أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى تحقيق مبدأ التكافل والإيثار   فقال : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ، فبيّن أن من أهم عوامل رسوخ الإيمان في القلب أن يحب الإنسان للآخرين حصول الخير الذي يحبه لنفسه من حلول النعم وزوال النقم وبذلك يكمل الإيمان في القلب

وأثناء موعظة الوالد انطرق باب بيتنا   وقد توالت صحون الجيران بأشهى أنواع واصناف الأطعمة ماعدا صحن واحد وُضعت فيه وردة بيضاء همس الوالد في أًذن الوالدة ليستوضح من صاحب تلك الورد        

تلك العائلة العفيفة التي اسبل الله عليها الستر والتي لها حقُ مال الله 

وفي الخفاء تجهز من اهل الخير من صفوة الجيرة ما تيسر من سلة حوت نقوداً وطعاماً وملابس تُناسب افراد العائلة   وُضِعت السلة امام بيتهم في وقت السحور بعد ان طُرق باب بيتهم واختفى الطارق في سواد الليل!  نتعلم من الفاروق عمر القدوة الحسنة 

قصة الفاروق عمر بن الخطاب مع أم الأيتام فمن منا لا يعرفها فوضعت ماءا في القدر ووضعت فيه بعض الحصى ووضعت القدر على النار وليس فيه سوى الماء والحصى وهي تُشغل الأطفال حتى يناموا جوعى

سار الخليفة العادل على قدميه هو وصاحبه حتى راي من بعيد في الصحراء نارا موقدة فسارا إليها ليتقصى عن شأنها ويعرف صاحبها 

وعندما وصل إليها وجد سيدة تجلس أمام النار وعليها قدر كبير و 

ردت الأم وقلبها يكاد ينفطر حزنا وهي تدرك أنها لا تملك ما تمنحهم إياه:

الأُم قائلة سيجهز قريبا يا أحبتي فقط صبرا جميلا والله  سيرزقكم طعاما طيبا ومن مدرسة النبوة الشريفة ذهب عمر وأعد بنفسه الطعام للأيتام و عندما شبعوا و اطمئن عليهم كان خيط النور قد بدا يغزو السماء و بدت الظلمة تنحدر نحو الأفق الواسع لتحل مكانها نسائم الفجر و نوره الخافت المتسلل بين خيوط الظلام و يتهادى

العبرة كم من أُسرة طواها الجوع والحرمان كم من أُسرة فقدت مُعيلها كم من أسرة استشهد رب عائلتها كم من أسير يقبع في غياهب السجون كم من عائلة تهدمت بيوتها وأصبحت بدون مأوى كم من نساء ترملت وكم من طلبة العلم اوعزمهم العمل الدون لتحصيل لقمة العيش كمن الشباب والصبايا بسن الزواج لا يستطيعون التحصن  ولا يمتلوكن ادنى ظروف الحياة الكريمة ناهيك عن بطش الاحتلال وعربدة المستوطنين

وتجار الحروب وظُلم بني جلدتنا فماذا نقول (   أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ)

المراجع:

1) عَن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: مَنْ فَطَّرَ صَائمًا، كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أجْر الصَّائمِ شيءٍ.) رواه الترمذي وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

2) لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) رواه البخاري ومسلم .

3) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ(الحديد 16)

4)اصدار هيئة اشراف بيت المقدس

3) د. رائد ناجي