- 1 نيسان 2022
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
برغم الانشغالات الكثيفة و الاستثنائية للدبلوماسية الأمريكية، إلا أن وزير خارجيتها قد وجد وقتا مستقطعا لزيارة بلادنا و المشاركة في الاجتماع الذي ضم أربعة وزراء خارجية عرب إضافة للداعي ( الإسرائيلي ) في صحراء النقب، لكن وزراء خارجية عرب آخرين قد غابوا بأجسادهم و لكنهم قد حضروا بالمعني السياسي و إن غابوا عن مائدة الاجتماعات كما وزراء قطر و عمان و السودان و السعودية و الأردن و فلسطين، كان لغياب هؤلاء أسباب متنوعة منها الأسباب الإعلامية أو الترتيبات الداخلية أو ادوار مؤقتة إقليمية، مع استثناء واحد و هو المتعلق بالحضور الفلسطيني، و هو ما سيعود إليه المقال لاحقا .
لهذا الاجتماع دواعيه المختلفة، و لكن أكثرها أهمية و إلحاحا هو التوقيع القريب عالي الاحتمال للاتفاق النووي مع إيران، و الذي تزداد أهميته يوما اثر يوم للأمن القومي الأمريكي وأمن حلف الناتو بسبب الحرب الروسية – الأوكرانية، و ما لحقها من ارتفاع في أسعار النفط و الغاز، هذا الاتفاق بالغ الأهمية لواشنطن يسبب لها متاعب مع حلفائها الذين يشعرون بقلق بالغ جراء توقيع الاتفاق و ما سيحدثه من اثر على موازين القوة بين محور المقاومة و الحلف الأمريكي، الذي تضعضعت ثقته بنفسه و براعيه الكبير، فكان هذا الاجتماع و بحضور الوزير الأمريكي بهدف طمأنه الحلفاء، و تنسيق سياساتهم الأمنية و الدفاعية، و ما الحضور الأمريكي إلا لإعطاء مزيد من الطمأنينة لهم، و مزيد من المصداقية لراعيهم الأمريكي الذي تآكلت بعض الثقة به مؤخرا، و خاصة ( للإسرائيلي ) الذي يتوج اليوم زعيما لتحالف عربي، ناتو شرق أوسطي، فأي ضمان تريد إسرائيل أكثر من ذلك ؟ .
من دواعي اجتماع النقب ما يتهدد دولا مشاركة في الاجتماع من قلاقل داخلية، و كأنها هزات ارتدادية و لكنها قد تكون عنيفة للازمة الأوكرانية و تأثيرها على إمدادات الغذاء، فروسيا وأوكرانيا تنتجان أكثر من ثلث الإنتاج العالمي من القمح و الشعير و الأعلاف، فيما تمثل هذه الإمدادات قرابة ثلاثة أرباع ما يستهلكه العالم العربي، يطلق المصريون على الخبز اسم (عيش ) ربما لعلاقة باستمرار الحياة، و أي عبث بجودته و استعارة تكون سببا من أسباب الثورة و الاحتجاج العنيف، و نستذكر هنا ثورة الخبز في مصر الساداتية، إذ رفعت الحكومة أسعار الخبز في 17 كانون أول 1977,و خلال ساعات كان الملايين في الشوارع يرفعون شعارات إسقاط النظام، و يدمرون و يحرقون أقسام الشرطة و مباني الدولة، الأمر الذي اضطر الرئيس السادات للتدخل و إلغاء القرارات، أما في نيسان 1989، فعندما رفعت حكومة زيد الرفاعي الدعم عن مواد أساسية منها الخبز قامت البلد و لم تقعد الأمر الذي اضطر الملك حسين لقطع زيارة رسمية كان يقوم بها لواشنطن و العودة من فورة وإقالة الحكومة و إلغاء القرارات و إجراء إصلاحات واسعة في النظام السياسي و على رأسها إعادة الحياة البرلمانية التي كانت معطله منذ عام 1967. سوف تجد حكومات عديدة نفسها أمام هذا المأزق الخطير عند نفاذ مخزوناتها المتواضعة من القمح و ستكون عاجزة عن مواجهه هكذا استحقاق بأدائها الهزيل و فسادها المستشري، لذلك تحتاج إلى المساعدة الملحة من الراعي الأمريكي الكبير، و لكل شيء ثمنه، و من الثمن المقدم و المستعجل المشاركة في اجتماع النقب .
من الدواعي، هو احتمالات انفجار الأوضاع في فلسطين و احتمالات اشتراك أطراف فاعلة فيها عند حد معين، و كان من مقدماتها الرمضانية عملية الدهس و الطعن في النقب، ثم عملية الخضيرة ، و ما جرى أول أمس الثلاثاء في ضواحي تل أبيب , يتزامن كل ذلك مع شهر رمضان هذه السنة مع عيد الفصح اليهودي، و كما في كل رمضان يتوافد إلى المسجد الأقصى عشرات ألوف المصليين و المرابطين فيه، فيما سيجتاح ألوف من المستوطنين اليهود المحتفلين بفصحهم المسجد لإقامة شعائرهم الدينية و في ذات الزمان و المكان، مما سيحدث اشتباكات ستكون في الغالب ذات طابع عنيف، فيما تشارك فيها غزة على طريقتها، أي بصواريخها و بالوناتها الحارقة، دموية و عنف هذه الاشتباكات ستنعكس لا على الوضع الفلسطيني فحسب و إنما على المنطقة بأسرها.
عود على بدء، و في الإجابة على تساءل عن الغياب الفلسطيني عن لقاء النقب، فقد صرح وزير الخارجية (الإسرائيلي )عن أمنياته بان يكون الوزير الفلسطيني حاضرا في اللقاءات المستقبلية، في ظني أن ما حال دون دعوته هذه المرة هو الخلاف في وجهات النظر داخل الحكومة الإسرائيلية تجاه التعاطي مع السلطة الفلسطينية، إذ ترى وجهة النظر الأقوى و التي يمثلها رئيس الحكومة نفتالي بينت، أن السلطة ليست إلا حكما ذاتيا محدودا، و الحكم الذاتي عليه أن يتبع المركز وهو إسرائيل في هذه الحالة، و هو ليس لدية ما يعطيه للسلطة الفلسطينية أكثر من تسهيلات اقتصادية و تصاريح عمال و بطاقات v.i.p لوجهائها، و وظيفة التسهيلات الاقتصادية هي للحفاظ على الأمن، أو للربط بين الأمن و الاقتصاد، فالاحتقان الاقتصادي هو من أهم عوامل القلق الأمني وفقا لوجهه النظر هذه، من هنا لا يرى رئيس الحكومة نفتالي بينت أي دور إقليمي للفلسطيني يؤهله لحضور هكذا مؤتمر، فالحكم الذاتي غير مستقل و إنما تابع لمركزه الذي يمثله في المستويات الأعلى .
استكمالا لقراءة رؤية نفتالي بينت هذه، نعرفها من الزيارة السريعة لوزير الخارجية الأمريكي بلينكن لرام الله و هي على هامش حضوره لقاء النقب، إذ صرح عقب لقائه الرئيس الفلسطيني بجمله سريعة ذكر فيها حل الدولتين و لكنه أسهب في الحديث عن جهود بلاده و بحثها عن السبل الكفيلة بتحسين جودة و نوعية حياة الفلسطيني، و تقديم مزيد من الدعم للقطاع الخاص و للمشاريع الصغيرة و للأسر الفقيرة، واضعا المسالة في إطارها الاغاثي الإنساني و بعيدا عن السياسة، هكذا تتضح قراءة الانسجام في الموقف الأمريكي الإسرائيلي، فلا شيء أكثر من الحكم الذاتي المحدود إلا التسهيلات الاقتصادية في سياقاتها المعززة للهدوء و الأمن .
يعرف الأدب العربي قصه سنمار و الحجر , و سنمار هذا مهندس بنى قصرا عظيما للنعمان ابن المنذر , و وضع في مكان سري من القصر حجرا إن تحرك من مكانه , ينهار القصر , و يبدو أن الشاب ضياء حمارشة يعرف مكان هذا الحجر في الرؤية ( الإسرائيلية ) – الأمريكية التي تبدو متماسكة في ظاهرها و الرابطة بين التسهيلات و الأمن , رؤية هذا الشاب و أمثاله تربط الأمن بالوطن و تحريره .

