- 6 نيسان 2022
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
كان لعبد الرحمن بن خلدون الريادة في مجالات متعددة من المعرفة و الفكر، و منها أنه أول من تحدث في النظريات السكانية، ثم علاقتها بالتطور والغذاء، ذلك في مقدمته الشهيرة، فقد نظر ابن خلدون للازدياد السكاني المنظم بشكل ايجابي، وربط بين النمو العددي للبشر، على أنه دافع لتنظيم العمل وتقسيمه، و التخصص في المهن والصنائع.
بعد قرون من رحيل ابن خلدون، فاق الازدياد في عدد السكان تقديراته، و عادت ،مسألة الازدياد بمتوالية هندسية تطرح للنقاش باعتبارها ،مسألة اجتماعية و اقتصادية و فلسفية، و أنها مسألة أمن قومي وإنساني بالمفردات المعاصرة، و لم تستطع الاكتشافات الجغرافية لعالم جديد إيجاد حل لهذا النمو المتسارع، و كان أول من تصدى وتحدث في ذلك الفيلسوف الإنجليزي مالثوس، إذ لاحظ أن الازدياد في عدد السكان لا يتناسب، لا بل يفوق رقعة الأرض الصالحة للزراعة و تلك التي يمكن استصلاحها لإنتاج الغذاء و التي تبقى لها حدود لا تستطيع تجاوزها، فيما الزيادة السكانية مفتوحة على مصراعيها،وهو أمر غير متناسب لصالح الزيادة السكانية .
على هذا الأساس أقام مالثوس نظريته، و التي درس بها التاريخ أيضا، وتحديدا تواريخ الأوبئة و منها الطاعون الشهير الذي أصاب العالم ما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر و الذي أودى بحياة ثلث سكان المعمورة، وكانت حساباته انه لولا تلك الكارثة التي أبادت عشرات الملايين من البشر لكان الغذاء المنتج لا يكاد يكفي لمن يكونوا أحياء في زمن مالثوس، بموجب ذلك يعود للقول أن التزايد المستمر للبشر لا بد و أن يصل إلى مرحلة أن لا تكفي مصادر الغذاء لإقامة أود البشر، اثر التقدم في العلوم و الطب و انتشار الوعي الصحي وزيادة الخصوبة البيولوجية للإنسان, ارتفع معدل الأعمار و انخفضت وفيات الأطفال، و تم القضاء على أوبئة خطيرة، فيما لم تستطع الأوبئة المستحدثة الفتك بأعداد كبيرة من البشر, فأخذ عدد سكان العالم يزداد بطريقة مرعبة مما أعطى مصداقية و أكد أسباب قلق مالثوس، فقد كان عدد سكان العالم عند بدء التقويم الميلادي مائة و خمسين مليونا، و بعد ألف عام ارتفع ليصل إلى ما بين مائتين و خمسين إلى ثلاثمائة مليون، و عند مطلع القرن العشرين وصل العدد إلى مليار و نصف، أما اليوم فهو على حافة الثمانية مليارات إنسان و مرشح لزيادات مخيفة في كل عقد قادم .
في محاولة أممية لمعالجة ،مسألة الغذاء تأسست وكالة تابعة للأمم المتحدة باسم منظمة الأغذية والزراعة ( F.A.O )، و بالرغم من تواضع انجازاتها، إلا أنها المصدر الأهم للمعلومات المتعلقة بمجالها، حسب مصادرها انه بسبب التغيرات المناخية و جائحة كورونا حصلت في العامين الماضيين ارتفاعات خارجة عن السيطرة في أسعار الغذاء العالمي، فارتفع سعر فول الصويا بنسبة 52% كذلك الذرة و القهوة و السكر و بالطبع القمح و الشعير بنسب متفاوتة و لكن عالية، لكن مع اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية شهدت الأسعار ارتفاعات سريعة وكبيرة، فروسيا وأوكرانيا تنتجان 30% من كل من القمح و الشعير بالعالم و 23& من الذرة و ما يزيد عن 50 % من بذور دوار الشمس، سيعمل القتال الدائر على تعطيل موسم زراعة كثير من المحاصيل، فيما يضع ما يزرع تحت خطر الاحتراق و التدمير بسبب العمليات القتالية، فيما المزارعون ما بين منخرطين بالقتال او هاربين منه بالهجرة، و من الجدير ذكره أن 70% من استهلاك العالم العربي من القمح و الشعير يأتينا من روسيا وأوكرانيا .
حكوماتنا و شعوبنا ستكون الأكثر تأثرا بالحرب الروسية – الأوكرانية، لا في السياسة فحسب و إنما في أمنها الغذائي، الذي سيصاب بجراح فادحة، لأسباب بنيوية تتعلق بالحكم غير الرشيد و الإدارة الفاشلة للموارد، و للأسباب المتعلقة بالحرب و التي أدت إلى ارتفاع كبير في الأسعار و مخاطر ضعف الإمداد، عالمنا العربي أفرط بالاعتماد بتلك النسبة العالية على قمح روسيا و أوكرانيا، هذا ما سيضعنا في وقت غير بعيد أمام أزمة غذاء حادة و قد تصل إلى حواف المجاعة، يضاف إلى ذلك أن روسيا وهي الأقل تضررا بالحرب قد تشترط على الدول التي أخذت مواقف سلبية منها شراء القمح بالروبل الروسي لا بالعملات التي تعتبرها غير صديقة مثل الدولار الأمريكي أو اليورو أو الجنيه الإسترليني، و هو أمر أوقع ألمانيا القوية في ذات المأزق عندما أصرت موسكو على بيع الغاز بعملتها القومية .
تظهر الأحداث المتعلقة بالغذاء و الطاقة أننا أمام تحول جديد في التعاطي مع نظرية القوة، فهذه الحرب أرتنا أن القوة ليست فقط بالجنود و الآليات القتالية والطائرات والصواريخ وما إلى ذلك، وإنما القوة هي بامتلاك مصادر الغذاء والطاقة، كم هي واضحة قدرة دولة مثل روسيا اليوم على استعمال هذه القوة دون دوي السلاح و في أماكن بعيدة، عن طريق تجويع من تريد أن تخاصم أو إطعام من تريد أن تحالف، قدرتها على تعطيل دورة الحياة الصناعية والإقتصادية لا بل و الإنسانية لمن لا يستطيع الاستغناء عن غازها أو نفطها، كما بدت ألمانيا القوية تتلعثم في مواقفها، هذا بعض ما حاول المقال الإشارة إليه .
يقول المسيح: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وذلك قول لا مراء فيه، و لكن المسيح يؤكد في ذات القول ( الآية )، أن الإنسان لا يحيا بدون الخبز و أن الخبز أولا، فهو الذي يمثل أساس الشعور بالأمن الغذائي .

