• 30 نيسان 2022
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : سعادة مصطفى ارشيد

 

ما لم يحصل حدث كبير من خارج الصندوق كعملية فدائية، أو اشتباك دموي في المسجد الأقصى على خلفية الاقتحامات التلمودية ,أو اشتباك منطلقا من غزة، فيمكن القول أن جولة التصعيد الأخيرة قد شارفت على نهايتها، لكنها بالطبع ليست الاخيرة و ليست الأخطر , و وفق ما كتب البروفيسور آساف دافيد من الجامعة العبرية : المسالة الفلسطينية في وضع انحدار غير مسبوق 

ولم يبق للفلسطينيين إلا شيء واحد وهو الاقصى الذي يحقق لهم توازن رعب , و المساس بهذا المقدس يكون أشبه بحرب عالمية .

 يحسب الفضل في حصاد نتائج هذه الجولة  للوعي الجمعي للكل الفلسطيني في التصدي للاحتلال و الدفاع عن الحرم المقدس، في اشتباك وإن اتخذ واجهة دينية إلا أنها تحمل في ثناياها بعدا قوميا و وطنيا، هذا في حين حاولت الإدارة الإسلامية للمسجد الأقصى منع الفلسطينيين من الاعتكاف في باحاته في فترة أعياد الفصح اليهودية الأمر الذي لم يمر، فقد تم التعاطي شعبيا مع هذا المنع على أنه في سبيل إعطاء الفرصة لليهود المحتفلين بعيد الفصح بالحج إلى يسمونه جبل الهيكل وذبح قرابينهم، الجهات الرسمية في فلسطين ومحيطها القومي والعربي اكتفت بالبيانات في مقاومتها لاقتحامات الأقصى الاستيطانية، فهذا يستنكر وذاك يدين و ثالث يرفض ورابع  يعبر عن قلقه على طريقة أمين عام الأمم المتحدة السابق، لكن ما جلب الفائدة و النتيجة لم تكن تلك البيانات و إنما التواجد الشعبي الفلسطيني في المكان والزمان الحرجين، و هو ما كان أصدق إنباء من البيانات و التصريحات، و الأمر ذاته تكرر في عرقلة الاحتلال لشعائر سبت النور وعيد الفصح في القدس .

الأردن حاول السيطرة على احتمالات التصعيد بشكل مبكر فأجرى اتصالات ولقاءات على أعلى مستوى مع( الإسرائيليين) وبحث الملك عبدالله  الثاني الأمر مع الرئيس( الإسرائيلي )الذي زاره في عمان، كما زار رام الله لذات الغرض  حيث يفترض أن إجراءات وقائية  قد تم الاتفاق عليها . 

مشكله الأردن هو ما فاتها في اتفاق وادي عربة الذي ينص على حق جميع أبناء الديانات التوحيدية الثلاث بالوصول إلى الأماكن التي يعتبرونها مقدسة، وفي بند آخر على احترام دور الأردن في رعاية المقدسات الإسلامية في المسجد الأقصى، و كلمة احترام هي كلمة فضفاضة لا معنى حقوقي محدد لها . هموم عمان لا تنتهي عند الاتفاق الذي وقع عام 1994، فالشريك الذي وقع كان حزب العمل و قائديه إسحاق رابين وشمعون بيبرس و  قد أصبحوا كائنات سياسية منقرضة غيبهم الموت حياتيا و سياسيا، في حين كان الأردن يفترض أن هذا الاتفاق قد ضمن وجوده كوطن نهائي للأردنيين، من يحكم اليوم  ومن هو مرشح لأن يرثه في أية انتخابات قادمة، لا يلقي بالا لهذا الفهم الذي يرى أن الزمن تجاوزه ، و أن الأردن هو وطن الفلسطينيين، الأمر الذي يهدد العرش والدولة على حد سواء، لا تنتهي الهموم هنا و إنما تتمدد لتشمل ما تم توقيعه لاحقا من اتفاقيات، أملتها الضرورات التي صنعها الربيع العربي، والمصالح الصغيرة، و التي شملت تزويد الأردن بالمياه والطاقة، وذلك من شأنه أن يحد من قدرات الأردن على المناورة، رغم محاولاته وكان آخرها لقاء في القاهرة جمعه بالرئيس المصري وولي عهد الإمارات و غاب عنه الرئيس الفلسطيني , و أعقبها مكالمة هاتفية أجراها الملك عبد الله الثاني  مع الرئيس الأمريكي أعاد فيها التذكير بان وصاية تشمل الأماكن المقدسة المسيحية، الحكومة الإسرائيلية غاضبة من عمان بسبب موضوع القدس ولعل علاقات عمان و تل أبيب لم تمر بمثل هذا التوتر من فترة طويلة .

يحاول الأردن استعادة المبادرة مقدسيا, والحفاظ على هيبة الوصاية الهاشمية , وهو أمر يتطلب الاشتباك مع ( الإسرائيلي ) , كما يدرك العرش و الدولة أن حالة الفراغ الجارية في القدس لا تتفق لا مع الفيزياء و لا مع السياسة , والسياسة كالطبيعة تكره الفراغ الذي إن وجد فلا بد من ملئه , وغياب الوصاية الهاشمية يعني منح الآخرين ضوء أخضر بالتحرك وتعبئة الفراغ .

السلطة الفلسطينية بدورها لم تكن حاضرة في القدس، فلم يشارك في التواجد في الحرم وزير او شخصية عالية باستثناء المفتي العام والذي تهجم عليه المرابطون هناك متهمينه بالتقصير والغياب عن الحدث، الرئيس الفلسطيني لم يلق خطابا يشرح فيه ما أجرى من اتصالات أو ما بذل من جهد، كذلك رئيس الوزراء، باستثناء بيانات كانت تصدرها نشرة وكالة الإنباء الرسمية و هي في غالبها مبنية على مجهول ( ناطق ) و بعض بيانات وزارة الخارجية التي تستدعي الاستغراب، فالقدس شأن فلسطيني داخلي و ليست في إقليم آخر، ولدينا وزارة داخليه و وزارة خاصة بشؤون القدس لها وزير عضو بمجلس الوزراء و لديها وكيل وزارة و وكلاء مساعدون، لم يصدر عنهم تعليق او تصريح أو بيان و لم تذكر الإنباء أنهم أو بعضهم تواجد في المسجد الأقصى، يستذكر الفلسطيني في الضفة الغربية ان الانتخابات التشريعية التي كان قد تحدد موعدها في أيار من العام الماضي قد تم تأجيلها بذريعة رفض ( إسرائيل ) إجراءها في القدس الشرقية، وقد أعلنت إسرائيل أنها لم تبلغ السلطة الفلسطينية بقرار رفضها لإجراء الانتخابات في القدس، وأن السلطة الفلسطينية لم تتسلم كتابا خطيا رسميا من إسرائيل بهذا الرفض، كما أن الاتحاد الأوروبي ذاته الذي توسط بين الجانبين أعلن أنه لم ينقل رفضا إسرائيليا واضحا وصريحا بإجراء الانتخابات في القدس، يعود الفلسطيني للتساؤل : ما دامت القدس على هذا القدر من الأهمية، لماذا غابت عنها السلطة . 

ما جرى كان تحديا قوميا و وطنيا و روحيا استجاب له العقل الجمعي بشكل لا شريك له ، ربما دون خطة مدروسة و لكنه آتى أكله .