• 16 تموز 2022
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم : الباحث فـــوّاز إبراهيــم نــزار عطيــة

 

في يوم الخميس 14/7/2022، وعلى بُعد أمتار قليلة من باب الخليل، وعلى مسافة قريبة جدا من فندق البترا المهدد بالاستيلاء عليه من قبل المستوطنين في حارة بني حارث التي تعرف اليوم بميدان عمر بن الخطاب، اختار رئيس الولايات المتحدة جوزيف بايدن ورئيس حكومة الاحتلال الاسرائيلي يائير لبيد، مقر المجلس الإسلامي الأعلى الواقع في شارع مأمن الله غربي سور القدس القديمة ، والذي يبعد 500 متر فقط عن باب الخليل، ليعلنا من هذا المكان توقيعهما على اتفاقية أو وثيقة عُرفت بإسم "إعلان القدس"، وليلتقطا صوراً تاريخية تأكيداً على أهمية الزمان والمكان في توقيع الاعلان المذكور.

وبغض النظر عن مضمون الاتفاق، وكوارثه على الدول العربية على وجه الخصوص دول  منطقة الخليج، لكن ما يهمني هو الواقع الداخلي لشكل وإطار الإتفاق ومعناه اللوجستي لأهل القدس، إذ لم يكن التوقيت والمكان من قبيل الصدفة.

 فعندما ينظر المرؤ إلى مقر توقيع الاتفاق، يظن للوهلة الأولى، أنه فرع من فروع أحد الفنادق العالمية المشهورة، ذلك أن سلطات الاحتلال دأبت خلال السنوات المنصرمة على تغيير بعض المعالم المحيطة بمقر المجلس الإسلامي الأعلى وأبقت على واجهته فقط، وأضافت بعض التصميمات، وأطلقت عليه أسم وولدرف إستوريا- هيلتون.

تبدأ الحقيقة من المكان والزمان، لتروي لنا حكاية المبنى الذي يحمل صبغة إسلامية وعربية وتاريخية تعود إلى عشرينيات القرن الماضي.

مبنى المجلس الإسلامي الأعلى تم البدؤ في تشُيّده عام 1918 وانتهى بناؤه عام 1929، إذ راودت الحاج أمين الحسيني المفتي العام للقدس، وبصفته رئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى في حينها، فكرة تشيّد البناء ليكون مركزا شامخا وحصنا منيعا في غربي سور القدس، وبالتحديد في منطقة مأمن الله، لوضع حد لأطماع الحركة الصهيونية في تلك المنطقة.

فأراد أن يُصبغ المبنى بطراز إسلامي على غرار البناء الأندلسي، لوضع علامة فارقة في تلك المنطقة، وللتأكيد على عروبتها واسلاميتها، لا سيما وأن المبنى يقابله مقبرة إسلامية اشتهرت بمقبرة أو تربة مأمن الله.

إن السؤال المشروع الذي ينبغي على كل مقدسي طرحه وبإصرار وإلحاح، لماذا لم يتم التوقيع على الإعلان المذكور، في دار رئيس دولة الاحتلال أو في مقر رئيس الوزراء الإسرائيلي أو في الفندق الذي مكث فيه رئيس الولايات المتحدة؟ ولماذا الإصرار من الجانبين في توقيع الإعلان المذكورفي مقر المجلس الإسلامي الأعلى؟ 

مما لا ريب فيه، أن هناك دلالت كثيرة للتوقيع في المقر سابق الوصف، لكن أعتقد جازما أن أهمها يتحمور في مسألتين.

الأولى: تذكير أهل القدس خاصة وأهل فلسطين عامة، بأن التوقيع على الإعلان المذكور بعد مرور قرن "100 سنة" من الزمان على تشييد البناء المذكور، وما تخللها من سنوات بمرور 7 عقود على حرب عام 1948، بأن الغربة وحالة اللجوء التي عايشها وما يزال أهل فلسطين عامة وبعض أهالي القدس خاصة، وتمجيد الحاج أمين الحسيني لا مكان لهما بعد هذه الإعلان، لأن  واقع استرداد الأملاك والعقارات في منطقة مأمن الله والأحياء المحيطة مثل البقعة والقطمون وتل البيوت مهمة انتهت. 

والثانية: أن سياسة الولايات المتحدة تغيرت جذريا منذ عهد دونالد ترامب الرئيس الأسبق للولايات المتحدة، وعلى الرؤساء الجدد السير على تلك المنهجية اتجاه القضية الفلسطينية، ضمن خطة تقزيم القضية وتهميشها وعدم إعطائها أهمية في أي موقف دولي.

وكان التغيير الجذري قد حصل، منذ أن قبلت على نفسها الولايات المتحدة بأن تبني سفارتها في عهد ترامب، وقبلت أن تتجاوز القانون الدولي والاتفاقيات الدولية، والسماح لذاتها ببناء سفارتها على أرض وقف الشيخ شمس الدين محمد الخليلي وهي أرض وقف ذُري، فلا عجب أن يسير العجوز جو بايدن صاحب الزلات والأخطاء والعثرات على نهج سلفه، وينسف القيمة المعنوية والمادية لعقارعربي إسلامي ليعززمنهجية الاستيلاء على باقي عقارات القدس من جانب المستوطنين، لا سيما في منطقة باب الخليل، فالسياسة لا تعرف رحمة أو مروءة، والاستجداء من جانب بطريرك دير الروم الذي التقى بالرئيس الأمريكي في كنيسة المهد يوم أمس الموافق 15/7/2022 بأن يقوم الرئيس بايدن التدخل لحماية النصارى في القدس ومنع سلطات الاحتلال من الاستيلاء على عقارات باب الخليل، لن تجدي نفعا، لأن رئيس الولايات المتحدة لا يملك من أمره شيئ في ظل التغيير المذكور. 

وبالتالي، ما تضمنه إعلان القدس من ديباجة تفيد بأن الولايات المتحدة تؤكد على التزامها بالديمقراطية وسيادة القانون، فهو شعار كذاب فضح الإعلان على عدم صدق تلك الجملة.

إذ افتضح أمر سياسة الولايات المتحدة من خلال ممارساتها على الأرض والواقع، فهي بعيدة كل البعد عن صون الحريات للشعوب والحفاظ على حقوقها على الأقل من وجهة نظري، بعد أن قامت ببناء سفارتها على أرض موقوفة وقفا ذُريا تعود لعائلة مقدسية، وبعد أن نسفت ورقيا البعد القومي لأهل القدس وارتباطهم بأرضهم في منطقة مأمن الله والأحياء المجاورة لها.

فلن تفلح ورقتهم وإعلانهم بمنع أهل القدس، للتمسك بعقاراتهم وبتمجيد الحاج أمين الحسيني، ولن يضيع حق خلفه جيش من اصحاب الحقوق مطالبين بحقوقهم مهما طال الزمان أو قصر.