- 13 آب 2022
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
كانت معركة سيف القدس في رمضان قبل الماضي مثلت ذكرى مجيدة و علامة فارقه في زمن التردي من النوع الذي لا يحدث الا في أوقات متباعدة, فالمعركة كانت نتائجها انتصارا مؤزرا افترضنا انه ارسى معادلات رعب لصالحنا, و ترافقت الحرب مع وحدة غير مسبوقة للشعب الفلسطيني في كامل فلسطين المحتلة, من أعالي الجليل الى اقاصي النقب, شاملة الضفة و القدس و غزة, توحدت فيها البنادق و الصواريخ لكافة فصائل العمل الفلسطيني التي انخرطت في القتال بذات الروحية بما فيها تلك التي ابتعدت عن العمل الكفاحي, و لكنها ابت الا ان تكون في قلب المعركة للدفاع عن غزة وفي معركة بقاء المقاومة, لكن مع الانتصار المذكور سابقا و على أهميته, الا ان الاعتماد على الوسيط المصري و ضماناته بما يتعلق بإنهاء الحصار و فتح المعابر و إعادة الاعمار لم يكن الا كسابقاته, أي شيك من غير رصيد, اثارت هذه الحرب قضايا بحثيه عديدة و لكن المقال سيتوقف عند اثنتين منها الأولى ما له علاقه بالمعركة و الثانية ما له علاقة بالدور المصري.
في رمضان الماضي, توعد الاحتلال حكومة ومستوطنين المسجد الأقصى بالتدليس والاقتحام, وتوعدت المقاومة بالويل و الثبور و عظائم الأمور في حال تم الاعتداء على المسجد الأقصى , الامر الذي جعل الفلسطيني يراقب السماء باحثا عن صواريخ المقاومة التي تعهد بها قائد حماس الشيخ السنوار في نهاية معركة سيف القدس, تعامل الاحتلال مع تهديدات المقاومة باستخفاف مريب, فقد تم السماح لعضو الكنيست المتطرف بن غفير بان يقود اعداد كبيرة من المستوطنين الى المسجد الأقصى وباحاته بحماية الشرطة, وأقاموا الصلوات التلمودية و الشعائر اليهودية ثم ادلى من هناك بتصريحاته المتحدية و المتهكمة, واعتدى ومن معه على حراس المسجد والمرابطين والمرابطات فيه في غياب واضح للأسماء والشخصيات المعروفة من السلطة او من قبيلها المقاوم, الامر الذي يقود الى تقسيم المسجد الأقصى مكانيا و زمانيا بين أهله و سدنته و بين اليهود.
لم تف المقاومة بوعيدها و وعدها في حينه الامر الذي القى ظلالا من الشك و الريبة عند المواطن الذي كان يتوقع , و كما وعد بان سيف القدس لا زال مشهرا خارج غمده مستعدا للقتال في سبيل المقدس السماوي .
منذ مطلع آب الحالي سادت أجواء التصعيد بين الاحتلال و الفلسطينيين بدءا من اعتقال الشيخ بسام السعدي, لكن معظم التحليلات ذهبت باتجاه الى ان جولة التصعيد هذه ستنتهي دون اشتباك, فالتقديرات كانت تقول ان هناك اتصالات قطرية و مفاوضات برعاية مصرية ثم ان (الإسرائيلي) غير راغب او قادر على الدخول في اشتباك غير مضمون النتائج مع غزة في ظل حكومة تصريف اعمال ثم انه مقدم على انتخابات عامة في مطلع تشرين ثاني القادم و قد تكون نتائج الاشتباك في غير صالحة انتخابيا, لكن و في حين كانت الوساطة المصرية تؤكد لغزة ان جهودها مثمرة باتجاه نزع فتيل الحرب حسب قائد الجهاد الإسلامي الذي أضاف انهم لم يكلفوا المصريين بالوساطة و انما الإسرائيلي من كلفهم, قام (الإسرائيلي) بمفاجأته غير المتوقعة بان انطلق في عمليته العسكرية معلنا انها تستهدف الجهاد الإسلامي دون غيرة من فصائل المقاومة ( يعني دون حركة حماس ), في حين يكاد الجهاد الإسلامي ان يقول بان (الإسرائيلي) استخدم مصر كحصان طروادة.
دار القتال على مدى اربعه أيام و نيف قصف بها (الإسرائيلي) و احرق و اغتال قادة و قتل مدنيين, فيما حشود مستوطنيه تجتاح الأقصى بما يزيد على الفي مستوطن مدنسين و مقيمي شعائرهم و معتدين على المرابطين و المصليين, و جيشة يقتحم قرية رمانه في شمال الضفة لهدم بيوت منفذي احدى العمليات الفدائية, لاحقا يجتاح نابلس و يوقع ثلاثة شهداء و اعداد كبيرة من الجرحى.
اربعه أيام قرر (الإسرائيلي) بعدها انهاء المعركة بعد ان استفذت العملية أهدافها و لخوفه من ان استمرارها قد يؤدي الى أخطاء ان حصلت فستحول مكاسبه الى خسائر, فتدخل المصري لإنقاذه و لتحقيق رغبته فيما كان الانهاك قد أصاب الجهاد الإسلامي الذي خاض المعركة منفردا, في بيئه لم تبد حاضنة تخاذل بها البعض, فيما الفلسطيني الحزين يطرح أسئلة تدل على إحباطه و تكاد تستنفذ حالات النشوة و التفاؤل التي عاشها قبل عام و نصف في أيام معركة سيف القدس, من هذه الأسئلة سر صمت حركة حماس التي لم يصدر عنها الا تصريح يتيم في اليوم الثاني للمعركة و صادر عن مكتب إسماعيل هنية لا عنه شخصيا يدين العدوان و يترحم على الشهداء و هو بيان نمطي لا يتجاوز في معانيه أي بيان يصدر عن حزب مؤيد لفلسطين في موريتانيا او اندونيسيا, و لكن نستذكر ما ورد في خطاب الانتصار بعد انتهاء معركة سيف القدس و الذي القاه الشيخ السنوار و الذي اعتبر فيه ان حماس باعتبارها قائدة المقاومة هي المدافعة عن فلسطين و أقصاها و ولية الدم لما يجري في الضفة الغربية, الشعب الفلسطيني قبل هذا التعاقد مع حركة حماس و المقاومة و كان له تعبيراته و تجلياته في اكثر من موقع منها انتخابات مجلس طلبة جامعه بير زيت, فماذا يقول شيخنا السنوار اليوم, ام ان وراء الاكمة ما لا نعرف ؟ انه سؤال مشروع ستجيب عنه قادمات الايام.
في كل معركة جرت بيننا و بين (الاسرائيلي) في غزة يتدخل الوسيط المصري مباشرة و القطري بطريقته الخاصة, تتعهد مصر فيها بفتح المعابر وإنهاء الحصار وإدخال السلع الضرورية و إعادة تشغيل الكهرباء و توسيع مساحات الصيد وإعادة إعمار ما دمرته قوة العدوان الهائلة و إعادة إسكان آلاف الاسر الذين أصبحوا في العراء, و في كل مرة لا تنفذ هذه التعهدات.
هذا الدور المصري له من العمر ست وثمانون سنه و لا زالت ذات اللعبة تنطلي على الفلسطيني, في عام 1936 انطلقت الثورة الفلسطينية مترافقة مع إضرابها الشهير, وامتازت بضراوتها و قوميتها, فشارك بها الكل الفلسطيني و معه مئات المجاهدين من العراق و الشام و لبنان, بقيادة العسكري المحترف ابن طرابلس فوزي القاوقجي و ابن دمشق الشيخ محمد الأشمر و ابن المتن الدكتور امين رويحة صاحب كتاب التداوي بالأعشاب و الصحفي الشاعر ابن حماة نجيب الريس ناظم نشيد يا ظلام السجن خيم..نحن لا نخشى الظلاما, خاضت الثورة معاركها المجيدة و في أحيان كثيرة في أرض مكشوفة والحقت الخسائر بالجيش الإنجليزي الذي اضطر الى استعمال سلاح الطيران, شعور بريطانية بفداحة الامر اضطرها لإرسال لجنة بيل الملكية التي لم تفلح في وقف الثورة فلجات الى اصدقائها العرب, خاصة مصر والسعودية اللتان لهما نفوذ و صداقة مع رئيس الهيئة العربية العليا أمين الحسيني, فاصدروا ندائها الشهير يطالبون به الشعب الفلسطيني بفك الإضراب و القاء السلاح و السكينة متعهدين بان الصديقة الصدوق بريطانيا العظمى قد وعدت بتلبية المطالب الفلسطينية, وافقت الهيئة العربية العليا ورئيسها على النداء و توقفت الثورة في مرحلتها المجيدة, و طلبت القيادة الفلسطينية من المجاهدين غير الفلسطينيين مغادرة البلاد وترك فلسطين لأهلها الأدرى بشعابها, و لتنتقل الثورة الى حالة من الفوضى في مرحلتها الثاني, لم تنفذ بريطانيا وعودها و لم تنفع اهل فلسطين ضمانات الحكومة المصرية و من شاركها النداء, و اكتشف الشعب الفلسطيني بعد فوات الأوان أنه تعرض لحيلة دنيئة شاركت بها قياداته الباحثة عن بقائها لا عن الوطن.
هكذا يلدغ الفلسطيني من ذات الجحر المرة تلو المرة, و في كل معركة تخوضها غزة المحاصرة مع الاحتلال تتدخل مصر لإنهاء القتال عندما يعجز (الإسرائيلي) أو يستنفذ بنك أهدافه, و في كل مرة لا تلتزم (إسرائيل) بوعودها كما كانت تفعل منشئتها بريطانية و في كل مرة لا تجدي التعهدات المصرية او انها لا تبذل جدية في الزام (الإسرائيلي) بها, في مؤتمره الصحفي عند إعلان وقف إطلاق النار قال قائد الجهاد ان الوسيط المصري ابلغه ان (الإسرائيلي) وافق على إطلاق سراح الأسيرين الشيخ بسام السعدي و خليل عووادة, في ظني و انا غير آثم أن ذلك لن يحدث.
هكذا في كل معركة يدفع الفلسطيني ثمن ثقته في الوسيط المصري , انها استبداد الجغرافية و لعنتها التي لابد من إيجاد طريقة للنجاة منه, ستة و ثمانون عاما تكفي

