• 25 آب 2022
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : سعادة مصطفى ارشيد

منذ سبعينات القرن الماضي, أخذ العالم يستشعر الخراب الذي يحدثه العالم الصناعي-العالم الأول في بيئة الأرض و مناخها, حينها انطلقت الدعوات للنظر في هذه المشكلة العالمية باعتبارها شأناً إنسانيا عابرا للقوميات والدول والقارات, فتشكلت اثر ذلك منظمات دولية و وطنية وأهلية, و تظاهر الملايين احتجاجا على ما يحدث و انتصارا للبيئة, ثم عقدت المؤتمرات التي كان أشهرها مؤتمر الأرض في عاصمة البرازيل ريو دي جانيرو التي حضرها لفيف واسع من قادة الدول والمهتمين بالمناخ والبيئة فدارت نقاشات وألقيت خطب و دونت محاضر الاجتماعات بما لا تتسع به مجلدات عديدة, و لكن من الممكن اختزال كل ذلك بالتالي : إن الحياة على كوكب الأرض تتعرض لخطر وجودي و تهديدات بالغة الجدية بسبب أزمات المناخ التي يتجاوز خطرها خطر أشد الأسلحة النووية فتكا , وان السبب في ذلك هو الإنسان و عدوانية على الطبيعة و إسرافه في استنزاف مواردها, وان الحل والأمل بإنقاذ الحياة على كوكب الأرض لا يكون الا بوقف هذا العدوان و ترشيد السلوك البشري ليكون صديقا للطبيعة و البيئة . 

البيئة و المناخ لم تعودا فكرة عامة او مسألة ترف في غير مكانه, وإنما هي مسالة تهم و تمس جميع من يعيش على سطح هذا الكوكب, و العبث بها جريمة وعدوان على الجميع وخروجها عن السيطرة يهدد أمما وشعوبا و حضارات كما يحصل في شرقنا و الذي سنرى اثره في وقت ليس ببعيد ان لم يتم تداركه, فبناء السدود من طرف واحد على منابع دجلة والفرات أمر يهدد بجفافهما وبدمار ما عرف شرق الهلال الخصيب وبلاد ارتبط اسمها بهذين النهرين, أرض الرافدين, كذلك ما يحصل في هضبة الحبشة و منابع النيل الأزرق اثر بناء إثيوبيا لسد النهضة, و اكتمال عملية ملئه الثالثة و الأخيرة التي لن تبقي للسودان و مصر الا القليل, فيما يشجع العجز المصري-السوداني دول وسط افريقيا على الشروع في مشاريعها التي ستنزف بحيرة فكتوريا و بناء السدود على النيل الأبيض, فيصبح وادي النيل وادياً غير ذي زرع.

حسب منظمة الأغذية و الزراعة و منظمات اغاثية عديدة ان التصحر و الجفاف سيودي بحياة 22 مليون انسان افريقي جوعا ما لم يتم الإسراع في اغاثتهم, اما في جنوب الصين, فقد تسبب الجفاف بانخفاض مستويات الماء في الخزانات و السدود بشكل جعلها عاجزة عن ادارة التوربيدات المولدة للكهرباء فتم اغلاق مصانع و تخفيض ساعات العمل في مصانع أخرى, أوروبا قارة الرجل الأبيض الراقية ، و التي تسببت مع امتدادها في العالم الجديد بمعظم هذه الازمة من احتباس حراري و ثقوب أوزون و غيرها, نراها اليوم تختنق بأزماتها التي لم تكن تخطر لها على بال و تتدحرج ككرة ثلج تزداد حجما و تعقيدا, فلديها ازمة صحية بسبب جائحة كورونا كادت ان تودي بهياكلها الصحية حتى في المانيا اكثر دولها قوة و رفاه, و لديها ازمة سكانية بسبب ملايين اللاجئين الذين تدفقوا عليها و كثير منهم من شرقنا و من افريقيا الجائعة, و تعاني من أزمات أخلاقية و انهيار قيم المجتمع و الاسرة و انتشار النزعات العنصرية, و تعاني من أزمات صناعية و اقتصادية تسببت بها الحرب الروسية الأوكرانية, جعلت منها رهينة في صناعاتها و تجارتها و تدفئتها و مواصلاتها و اضائٔتها للنفط و الغاز الروسيين و ارتفاع ثمنه و شروط الشراء بالروبل, انعكست عليها و اصبح يستفذ خزائنها فيما العقوبات التي فرضتها على روسيا أصبحت مصدراً من مصادر الثروة لروسيا التي تستطيع ان تهدد بقطع توريد النفط و الغاز و الشتاء على الأبواب, و آخر هذه الازمات و اخطرها تلك المرتبطة بالتغيرات المناخية التي أدت الى جفاف انهارها و بحيراتها, فزادات من مصائب أوروبا الشقراء, و تحولت الحقول و الحدائق الخضراء الجميلة للون الأصفر بعد جفافها, فيما نفقت قطعان الماشية في اكثر من منطقه عطشا, و اجلي سكان مناطق الى مناطق أخرى لا تزال أوضاعها المائية افضل .

تقارير من منظمات البيئة ترى ان العالم يحتاج الى التوقف كليا عن استعمال الطاقة غير النظيفة (النفط والفحم) لعام كامل وذلك لكي يتخلص من 700 مليون طن من الغازات الملوثة السابحة في الهواء، وهذه الملوثات لا تعرف الفوارق بين البشر ولا أعراقهم او ألوانهم او  معتقداتهم.

ولما كانت الدول لديها حساسيتها و حساباتها تجاه أمنها القومي و ما يتهدده, وتضع استراتيجيات الدفاع عنه, فإن ما ورد من اخبار و تقارير تؤكد العين مصداقيتها, الأمر الذي يستدعي البحث عن مهددات الأمن الوجودي للحياة على هذا الكوكب.