- 27 آب 2022
- أقلام مقدسية
بقلم : الشيخ مازن اهرام
ليلة البارحة سبعون عاماً خلت من عُمري
تتوالى أيام العمر سٍراعاً دون أن نُدركها، سنة يعقبها سنة تمضي اللحظات الحلوة بوجل خوفا أن تُرد أعمالنا , ونطمع برحمة الله علينا
هي خُطىً كُتبتْ علينا شئنا ام أبينا، ربما تنتاب ساعات القسوة دون أن تتلطف بنا بل من قسوتها تجرحنا وتسحق أعمارنا، نلتزم الصمت خجلاً ووجلاً من جُرح الأخرين وفي المقابل نحيا أياماً بعضها عذب كالماء الزلال ,والبعض الآخر كالحنظل يسرقنا الوقت في كلاهما فتارة نشعر بسعادة غامرة ,’وتارة ينتابنا ينشأ شعور بالغضب لدى أغلبنا عندما يتسبب شخص آخر في معاناتنا، ويبعث هذا الشعور على حالة من عدم الارتياح والرضى فجراحات السنان لها التئام ولا يلتأم ما جرح اللسان
بداية الشروق همة وعطاء وشغف للحياة قلب متوهج يبحث ويثابر نبحث عن ابجديات الحياة التي أقرب للكمال نرتقي نحو الإنسان الكامل
في الحياة لا ننسى ولا تلتئم جروحنا وتتلون أحوالنا ونتعرض إلى محطات ننسى الجرح بجروح أُخرى، ويبقى أثرها غُصة في القلب نُصاب بها وتبقى في ذاكرتنا، المسافة بين الأخضر واليابس، نتيه ويمضي قطار العمر نتفقد الأحبة فيمن سبقنا الى المحطة الأخيرة ونرجو حياة أفضل لمن بعدنا نبحث عن سلام عالمي ونسينا سلام قلوبنا يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)}الانفطار
الحياة وهبتني حزنها وكشرت عن انيابها , وبالمقابل فرحها وضحكاتها ,أبحث عن ذاتي أبحث عن الأمن والأمان عن الاستقرار عن حُلم يراودني أَخافُ من الطوفانِ والبحرُ دَاخِلِي توزّعني آهاتُهُ في سواحلي
أُفَتِّشُ عنّي فيَّ عُمْراً ممزقاً متى سوفَ ألقاني مجازاً بكاملي
ورُغم اتِّساعي تُهتُ في زَحمَةِ المُنى وعن آخِري كَم ساءَلَتْنِي أوائِلي...؟
وأبحثُ عن وَجهي، ومِن حَيثُ جِئتُهُ أعُودُ وقدْ أفنَيتُ بالشَّكِّ كَاهِلِي
الخلوة بالنفس واجبةُ لِزامًا علينا وتكُون اعتذارًا للنَّفس عن كُلِّ تشوُّه التصق بنَا، وكلُّ شائبةٍ عكَّرت صفونَا.. وكُلِّ أذًى تمرَّغنا به.. عن كُلِّ سُوءٍ حَاق بنا من اختلاط دُون ضوابط، عن كلِّ فوضى لحقنا بها فلحقت بنا، عن كُلِّ مُرٍّ أقحمنا أنفسنا بداخله فاستساغنا فما ذُقنا إلَّاه، عن كل صُورة أفزعتنا من أنفُسنا لمعرفتنا أنَّ فيها ما ليس فينا.. عن كلِّ فكرة لم نتفرَّسها جيدًّا فكانت سَقطَة بدَلَ القَفْزة، عن كلِّ حديث أسهبنا فيه فلا كان لغوًا أو بلاغة؛ إنَّما تنازعت فينا المُسميَّات في طيَّاته وبِتنَا لا نُدرك أيَّ صفة تتفرَّد بنَا.. عن الأشخاص الذين ظننا أنَّنا نسحبهُم لقِمَّتِنَا فارتطمنَا بقاعهم فعلمنا أنَّنَا اكتسبنَا منهم أكثَر مِمَّا اكتسبُوا منَّا.
فمن لا يخلو من بعض الكبوات،
يبدأُ أحدنا في الانغماسِ داخل الحَياة لا يلوي علی شَيءٍ ولا يَأبه بنفسِه التي يُقحمُها في مُجابهة المَخاطر لوصلِ أمرٍ ما، لا هدفَ يترأَّس أفكاره، ولا خُطَّة تُوجِّه رَغبَاته، ولا غاية تَستَهلُّ مَعاركه، فيكون لِزامًا أن يُلحق بمحيط ذاته الأذى المعنويّ إن لم نقُلْ المادِّي. إن أيَّ مُراقب لحال ذاته يعلم علم اليقين كيف ينعكس شكل العالم من حولنا -الأشدَّ وحشةً وظُلمًا وغرابةً وسلبيَّة- على عالمنا الدَّاخلي الذي نلتحم فيه مع أرواحنا ونخلُو إليه كُلَّما سكنت طُبول حَرب العالم، ليتكشَّف لنا عالمًا أشدَّ صِراعًا وأعتى حُروبًا في دواخلنا
رِّحلة العمر هي وقفة مع الذَّات وخلوة بها، بعيدًا عن غمام الواقع المُعاش وبهرجة الحياة نستنطق فيها رغَبَاتنا، ونُعيد إحياء شَغفِنا، وترميم أهدافنا، وإصلاح ما تكسَّر من أشرعة التَّوق للتغيير؛ لنعاود الانبعاث في وسط قد لا يُشبه فينا شيئًا بالضَّرورة، دُون أن يُشكِّل ذلك أيَّ عبءٍ أو صراع تكُون نتائجه في الغالب تداخل الأهداف والرَّغبات وتشابه أوجه أولويَّاتنا وأولويَّات الرَّكب المُحيط بنا والسَّيل المُجتمعي فننجرف معه غير مُحاطين بوجهتهم، مُحاولين بذاتِ القَدر الحِفاظ على رباطة الجَأش ووحدة الصَّف بيننا وبين ما نحمل من أنَانَا وما يعبِّر عنَّا!
لم انسى يوماً من الأيام ان بعد العسر يسراً لكني تناسيت ان بين كل عُسرين يُسراً فهناك عُسر عشته ويُسر تذوقته أنْساني عُسراً انتظره يُساورني شك في تلك الدنيا الفانية فسرعان ما ادرك ان الأجل محتوم والرزق مقدر وان الأمر بيد الله يطمئن القلب ويغلب حُسن الظن بالله.
علمتني الحياة ألا نقف كثيرا امام الماضي، لأنه سيحول حاضرنا جحيما ومستقبلنا حطاما، يكفينا منه وقفة اعتبار تعطينا دفعة جديدة في طريق الحق والصواب، كثيرا منا سلبت منه معاني السعادة احيانا وهنا ادعو الى وقفة ثبات ان في النفس لدرر اذا استطعنا ان تكتشفها و نصقلها لتغيرت حياتنا نحو الافضل
الأحداث والمناسبات تعتبر فرصة سانحة للوقوف مع الذات لمحاسبتها وإعادة تقيمها وصياغتها والأولى ان نطبق ذلك على حياتنا وانفسنا وذاتنا وتلك الدار التي نحياها هي متجر الربح والخسارة والسعيد من ختم حياته بالفوز والنجاة با لآخرة فلنحاسب انفسنا قبل أن نُحاسب يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم
في هذه الهنية أتذكر قول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
وتحسب أنك جـِرمٌ صغير ** وفيك انطوى العالم الأكبر
داؤك منك ومـــــا تبصر ** دواؤك فيك ومــــا تشعر
تحسب أنك جـــرم صغير ** وفيك انطوى العالم الأكبر"
نعيش نحن هكذا بين ذنب التقصير وذنب الحياة، بين رؤية الظلم ولا إنكار سوى بالقلب، بين الخوف مما هو آت وأمنية الهروب التي لا تتحقق، والتي إن قُدِر تحقيقها، لن تجد في أراضي الله الواسعة مكانًا لا يعرف للغدر والظلم عنوانًا، ستستمر بالعيش وأنت فِكرك مشغول بأن هُناك على مرمى البصر يوجد من يقع عليه ظُلم وأنت لا تزال عاجِزًا مُنتظرًا أن يُحدِث الله أمرًا كان مفعولًا، ويتدرج طموحك من أن يُرفع الظُلم إلى أن تمني الحصول على حقوق أساسية يحصل عليها حتى الحيوان المُشرد في الشوارع ولا يجدها إنسانًا.
وهذا كُله بسبب الجُرم الصغير الذي انطوى فيه شر العالم الأكبر، والجُرم الصغير الذي أنكر الخير في قلبه، وبات يعيث في الأرض فسادًا، وهذا كُله بسبب فساد مُتراكم حاولت الأجرام الصغيرة أن توقفه، ولكن لأنها تمارس شرورها هي الأخرى، لم تستطع توقيفه، وتدور الشرور بين الأجرام الصغيرة، ويدورون جميعًا حول الشرور في قلوبهم وهم ليسوا أكثر من كُرة في يد الجُرم الكبير
حال الأمة اليوم كمن يقف على سور الأعراف وهذا الاسم لسور مضروب بين الجنة والنار يحول بين أهلهما، وهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن دخول الجنة وتخلفت بهم حسناتهم عن دخول النار فوقفوا هنالك على السور حتى يقضي اللّه تعالى فيهم”. والأعراف قنطرة عالية على شكل عرف بين الجنة والنار والمكث عليها مؤقت لأن في الآخرة الناس إما في النار أو في الجنة، وأصحاب الأعراف كانوا يعرفون الحق والباطل لكنهم لم يحسموا أمرهم فحبسوا بين الجنة والنار حتى يقضي اللّه تعالى فيهم، “وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ”،
عندما تحين لحظة الغروب تتوالى المشاهد والذكريات
ستمضي الأيام ونتخلى عن أشياء أدمنا ها سنترك وستُلغي حُلماً وأخيراً ستتقبل واقعاً وشبح الموت كانت له الكلمة العليا ويأتينا يوم القيامة فردا،
المشهد الأخير المحطة الأخيرة في نهاية المطاف، ستأتي الأشياء من تلقاء نفسها دون أيّ جهد، أو سترحل للأبد رغم كل الجهود. وقد تجردنا من كل شيء ليتنا حين نرحل نتجرد من مشاعرُنا وكل شيء قد يُعيق طريقُنا، ليتنا حين نرحل لا يبقى ظِل من رحلنا عنه يُلاحقنا. وتبقى الابتسامة ترتسم على شفاهنا وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة

