• 11 تشرين أول 2022
  • أقلام مقدسية

 

 بقلم : أحمد صيام 

 

لماذا هرب الطفل ريان سليمان ابن  السبع سنوات من بلدة تقوع ببيت لحم من ملاحقة جنود الاحتلال الاسرائيلي المدججين بالاسلحة له ؟ لماذا لم يشفع له صغر سنه من ملاحقة لتهمة  ، لا ناقة له فيها ولا جمل  ؟ لماذا قتل الشاب اياد الحلاق ابن مدينة القدس من ذوي الاحتياجات الخاصة بدم بارد في ازقة القدس العتيقة ؟ لماذا شوه الطفل احمد مناصرة ابن مدينة القدس اثناء محاولات انتزاع اعترافات منه لا اساس لها من الصحة اثناء التحقيق؟   لماذا قتل رضيع من عائلة دوابشة عندما اشعل مجرمون النار بمنزل اسرته في بلدة دوما بنابلس ؟ لماذا احرق الطفل محمد ابو خضير ابن السبعة عشر ربيعا من بلدة شعفاط بالقدس وهو على قيد الحياة من قبل مستوطنين اختطفوه من امام منزله بينما كان يهم لاداء صلاة الفجر بشهر رمضان ؟  لماذا قتل مئات الاطفال بينما كانوا يلهون بالعابهم البيسطة خلال القصف العشوائي على قطاع غزة وغالبا ما تكون بقتابل محرمة دوليا ؟ لماذا قتل الطفل محمد الدرة وهو يلوذ في حضن أبيه ، وقتلت الرضيعة إيمان حجو ذات الشهور الثلاثة ، وقتل أطفال قانا وداعل وقبية ودير ياسين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا وجنين ونابلس وغزة ، والاعتداءات على مدرسة بحر البقر المصرية في نيسان 1970 وجرائم لا تعد ولا تحصى ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني ، طالت الاطفال والنساء والشيوخ وحتى دور العبادة لم تسلم من اعمال التخريب وسفك الدماء فيها . 

هل حقا كان هؤلاء  قد ارتكبوا جرما يستحق ما آل اليه المصير ؟ وامثلة كثيرة لا حصر لها من اطفال فلسطين قضوا او شوهوا لمجرد الاشتباه بهم دون ادنى مراعاة لسنهم او مدى ادراكهم لما يجري من حولهم !! وهنا تطفوا الى السطح ما يدعو الى التساؤل : هل من الجائز قتل او تشويه الاطفال خلال النزاعات ؟  

بداية لا بد ان نفهم ان اتفاقية الامم المتحدة لحقوق الطفل قد عرفت الطفل بأنه الشخص دون سن الثامنة عشرة، ما لم تعرف القوانين المحلية السن القانونية باكبر من ذلك ، وينص القانون الدولي الإنساني صراحة على وجوب احترام حقوق الأطفال خلال النزاع المسلح . ومع ذلك  لا يكون الأطفال دائما في منأى عن التعرض للعنف وبشتى الطرق ، ولعل النزاع الفلسطيني الاسرائيلي احد الامثلة على انتهاك حقوق الطفل حيث احتلال يدعي الديموقراطية ويدعي اقراره والتزامه باتفاقيات حقوق الطفل لكنه على ارض الواقع يضرب بعرض الحائط كافة تلك الاتفاقيات ، التي كفلت له تحييده من النزاع وحياة امنة وعيش كريم بحرية ، وما ما اسلفت اعلاه الا غيض من فيض كلف اطفال فلسطينيين حياتهم ومستقبلهم ، والتاريخ الاسرائيلي منذ عهد العصابات الصهيونية ونشوء ما يسمى دولة اسرائيل على الاراضي الفلسطينية عام 1948 الى يومنا هذا حافل بحوادث قتل الاطفال والشيوخ والنساء من العرب سواءا من جنود رسميين او مستوطنين مدعومين من المستوى الرسمي في دولة الاحتلال . 

 في المقابل من كفة النزاع ، هناك امثلة ايضا لا حصر لها ايضا عن امتناع مقاومين فلسطينيين عن قتل اطفال  لمجرد انهم يهود او اسرائيليين رغم انه كان بالمقدور ، الا انهم امتنعوا عن ذلك ، ورغم ان ذلك المقاوم المسلح يدرك ان ذلك الطفل الاسرائيلي الذي سنحت الفرصة لقتله يوما ، ما ان يبلغ السن القانون سينخرط في الخدمة العسكرية الاسرائيلية ويقوم بالدور الامني المناط  به والذي ربما يصل الى حد قتل اطفال فلسطينيين !! 

ولعل ما حدث بالبلدة القديمة من نابلس مؤخرا حين القى مقاومون فلسطينييون القبض على عائلة اسرائيلية من ضمنها اطفال تتجول في ازقة البلدة القديمة وكان بالامكان قتلهم الا انهم امتنعوا وقاموا بتسليمهم للاجهزة الامنية الفلسطينية ، وكذا المقاوم المسلح محمد حيناوي من مدينة نابلس والذي امتنع عن اطلاق النار على اطفال اومدنيين اسرائيليين اثناء التجوال في يافا في ايلول الماضي وتنقله من منطقة الى اخرى وهو يبحث عن عسكريين اومسلحين اسرائيليين ما لفت الانتباه وادى الى اعتقاله عند ميدان الساعة وكان بحوزته سلاح " كارلو " وقنابل انبوبية ، واعترفت الاجهزة الامنية الاسرائيلية انه كان بامكان الحيناوي قتل العشرات بسلاحه لكنه امتنع كون ما صادفه كان شيوخا ونساءا واطفالا ، والشهيد ضياء حمارشة ابن السابعة وعشرين عاما من بلدة يعبد قضاء جنين والذي طالب النساء والاطفال الابتعاد عن مسرح العملية التي قتل فيها خمسة اسرائيليين في مستوطنة بني براك وفق ما افادت شاهدة عيان اسرائيلية ، مؤكدة انه لم يكن لدية نية لقتل نساء او اطفال ، والاسير النجار من بلدة يطا والذي استهدف سيارة بها مستوطنين الا انه امتنع عن اطلاق النار على امراة بداخل السيارة تحمل بيديها طفلها ، وامثلة كثيرة ايضا ضمن الاطار نفسه لا حصر، لها تكشف حقيقة ادارة الصراع من كلا الجانبين !! حيث دعاة الديموقراطية الزائفة المدججين باحدث الاسلحة الفتاكة يؤكدون بممارساتهم الانسانية انهم قتلة الاطفال !! فيما دعاة التحرر من الاحتلال باسلحتهم المتواضعة يمتنعون عن قتل الاطفال او استهدافهم ويتمسكون بمقاومة من يغتصب ارضهم ويحتلها ويستبيح مقدساتهم واعراضهم وممتلكاتهم !!  

بعيدا عن البعد الديني لكلا الجانبين فيما يتعلق بقتل الاطفال والذي اباحته شرائع اليهود في اكثر من موقع ، فيما نهت عنه الاديان الاخرى وخاصة الاسلام الذي نهى عن قتل الضعفاء والنساء والاطفال وحرق الاشجار وقتل البهائم ، ودعا الى صيانة الاعراض والاموال ، اين البعد الاخلاقي والانساني من هذه القضية ؟ اين دعاة حقوق الانسان ، منظمات ومؤسسات وافراد ؟ 

إن تمادي الاحتلال الاسرائيلي في جرائم القتل بحق الاطفال الفلسطينيين لم يكن ليكون لولا غياب المساءلة الدولية وغض الطرف من قبل المؤسسة الاسرائيلية الرسمية عن ممارسات جنودها والمستوطنين بل وتقديم كل سبل حمايتهم امام المؤسسات الدولية وهذا ما يدفع الجنود لاستسهال قتل الفلسطينيين، أطفالا كانوا أم غير ذلك ، ويبدو ان ذلك سياسة اسرائيلية مدروسة تهدف الى زرع الرعب والخوف في قلوب ونفوس الجيل الواعد، فالاحتلال يريد جيلا ضعيفا هشا لا يؤمن بقضيته  ولا يضحي من أجلها، ومن هنا يأتي تفاخر وتباهي قادة الاحتلال وجنوده بتعمد قتل الاطفال وان غالبية قرارات القتل كانت بقرار محسوب وواع . 

لكن ما لا يدركه الاحتلال أن هذا الجيل سيكون أكثر شراسة وتمسكا بأرضه وحقوقه وحبا لوطنه ، وشاهدا على جرائمه ، وستكون عنجهية الاحتلال ووحشيته وقودا داخل كل طفل ذاق الويلات على يد الاحتلال ومستوطنيه ، وربما يتضح ذلك من اعمال المقاومة الاخيرة وحوادث اطلاق النار على اهداف اسرائيلية خاصة في مناطق الضفة الغربية والقدس الشرقية والتي في معظمها وباقرار اسرائيلي رسمي ان الفاعلين في غالبيتهم لا ينتمون لاي جهة رسمية فلسطينية انما ما يجمعهم هو فلسطين ومقاومة الاحتلال بما يملكوه من سبل متواضعة .

الامر الذي يدعو الى  التوقف عنده والبحث في اعادة تشكيل عقلية هؤلاء الاطفال على اسس وطنية اكثر تنظيما ونضوجا ، وفي الجهة المقابلة ،  ضرورة إعادة تفعيل الحملة الدولية الضاغطة لوصم جيش الاحتلال ووضعه على قائمة العار، ووصف هذه الدولة بأنها دولة القتلة ، وخصوصا في ظل مسارعة مسؤوليها في كل مرة يقتل فيها فلسطيني لتبرير القتل ، أو الادعاء بأن الأمر سيتم التحقيق فيه على أبعد تعديل ، ودون نتائج على أرض الواقع . وضرورة قيام المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق فيما يجري في اراضي دولة فلسطين المحتلة  وضرورة تعاون الدول معها.  استنادا لاتفاقية جنيف الرابعة ، ووفقًا لنظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية ، والتي تعتبر قتل الاطفال العمد انتهاكا جسيما تصل الى مستوى جريمة حرب وهي جريمة ترتب مسؤولية جنائية فردية على مرتكبها المباشر وعلى كل من شارك فيها او يحاول تبريرها ويساندها .