- 13 تشرين أول 2022
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
تبدو أخبار الحرب الروسية-الأوكرانية مربكة، فالحرب تطول، والروسي كان قد تقدم في البداية سريعا ثم اخذ بالتباطؤ ولاحقا بشيء من التقهقر، فهل هذا تكتيك روسي أم عجز عسكري وهزيمة التلفزيون الروسي الناطق بالعربية لا يبدي اكتراثا، فهل هي أيضا مساله ضعف إعلامي أم سياسة مقصودة؟ بعض هذه الإجابة قد تتوفر لدى الخبراء بالعلوم العسكرية ولكن يمكن القول إن الحرب، أي حرب هي كر وفر، تقدم وتراجع وهي مجموعه من المعارك ونتيجة الحرب النهائية تكون لمن يستطيع أن يحقق أهدافه السياسية باعتبارها بالأصل قرارا سياسيا وفق ما ذهب اليه أبو الاستراتيجية الجنرال كلاوزفتز، يستثنى نت القواعد الواردة أعلاه حروبنا منذ عام 1948 والتي كانت فر من غير كر وهزيمة وإن رفعنا الإصبعين بإشارة النصر فيما العدو هو من يفرض سياساته، اللهم إلا حرب المقاومة اللبنانية.
هذا التقهقر الذي جعل الأخبار مرتبكة، لا يبدو انه أربك موسكو التي تنظر إلى نهاية الشوط ويتبدى أن لها مصلحة حيوية في إطالة أمد الحرب التي كلما طالت كلما ازدادت أرباح موسكو في السياسة والاقتصاد والعسكر الذي يخوض حربا حقيقية تعمق من قدراته ويجرب بها أسلحة جديدة على أهداف حقيقية لا وهمية., المقاطعات الأربعة التي تريدها روسيا ليست ذات أهمية استراتيجية لروسيا فقط و إنما براي الخبراء العسكريين أن التواجد الروسي بها يجعل من أوروبا تحت الرماية الروسية هكذا على العالم أن يقف منتظرا على مفترق طرق فيما تجري عملية فرز سياسي دولي على غير استعجال وفي أثناء ذلك تحصد روسيا مكاسبها.
تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط والغاز وما يتبع ذلك من تدفقات نقدية على خزانتها وبالعملات العالمية القرار الروسي بفرض بيع النفط والغاز بالروبل جعل المشترين يضطرون لشراء الروبل من البنك المركزي الروسي وبالسعر الذي يحدده البنك لا بسعر سوق العملات، بهذا تكون روسيا بما يتوفر لديها من فوائض قادرة على تمويل حربها مهما طالت كما ستكون قادرة على تطوير اقتصادها وصناعتها المدنية والحربية وزراعتها وقوتها العسكرية.
أوروبا التي انصاعت لأوامر الإدارة الأمريكية تدخل في شتائها البارد و خاصة ألمانيا التي كانت تدعو و تصلي: (لا تدخلنا في التجربة و لكن نجنا من الشرير) أصبحت الآن في عمق التجربة الصعبة, فشعبها المدلل و المترف يختلف مزاجه و سلوكه عندما تصل الأمور إلى حياته و رفاهيته, إلى تدفئته و أنارته و مواصلاته, يفقد الاهتمام بقضايا الديمقراطية و حقوق الأنسان و الجندر و غيرها و لا تعود تعنيه عدالة الحجج الأوكرانية و إن كانت صحيحه أم لا, و إن كان فلاديمير بوتن هو سبب مشاكله أم غيره, لن يرى مسؤولا غير من انتخبهم و الذين عليهم بموجب عقدة الاجتماعي اني امنوا له احتياجاته, لا يهم من أين و كيف, في مؤتمر براغ الأوروبي قالت
المانيا أنها بصدد رصد 200 مليار يورو إعانات للمتضررين من ارتفاع أسعار الطاقة، وزير المالية والذي يشغل منصب نائب المستشار أيضا إذ صرح بان الولايات المتحدة تعرض على أوروبا الغاز بسعر يفوق سعر السوق ب 30%، أما الرئيس الفرنسي مكارون فقد أكد أن ازمه الطاقة أعمق من أية أزمة أخرى وأن الشتاء ما بعد القادم سيكون اشد بردا من الشتاء القادم ما لم يجدوا حلا للازمة, و في لقاء له مع رجال أعمال في الثامن من هذا الشهر قال أن على أوروبا التفكير بالانضمام للاقتصاديات الآسيوية و أضاف أن ليس من الصداقة أن تبيعنا الولايات المتحدة و النرويج الغاز بأربعة أضعاف السعر الذي تبيعه البلدان للصناعة في بلادهم.
استطاعت روسيا اقتحام معاقل أمريكية بأساليب مختلفة, و هذا لا يعني خروج تلك المعاقل تماما من العباءة الأمريكية و إنما مارست سياسة القضم من النفوذ الأمريكي, تركيا العضو في الناتو التي أصبحت تاجر القمح الكبير, السعودية و الأمارات مع الحذر من الإفراط في التفاؤل, الأمر الذي بدا واضحا في اجتماع أوبك+ إذ وافقت الدولتان على تخفيض الإنتاج بمقدار 2 مليون برميل يوميا بالضد من رغبة واشنطن و ذلك في الوقت الذي يزداد به الطلب على النفط و الغاز, غضبت واشنطن و تقول أنها تدرس خيارات الرد على الرياض و أبو ظبي, فهل ستترجم غضبها بإعادة فتح ملف الصحفي جمال خاشقجي مثلا, لم تعد هذه الأمور قادرة على ثني محمد بن سلمان, فيما يخوض بايدن معركة الانتخابات النصفية و هو على هذا الحال من التأثير الضعيف على اقرب الحلفاء, هذه الإدارة الديمقراطية فشلت في أن تقدم حلولا لمشاكل الداخل الأمريكي و لم تستطع أن تحقق نجاحا في سياساتها الدولية, و كان نظرية النظام أحادي القطبية قد تلاشت لصالح عالم بلا أقطاب و قيد التشكيل, لا يبدو أن بايدن و أركانه يعرفون أن قواعد التعامل مع دولة تملك السلاح النووي و هو غير التعامل مع الدول التي لا تملكها.
لكن العنصر الأهم في رغبة روسيا في إطالة أمد الحرب, هو هدفها الاستراتيجي الأكبر و الذي يتمثل في عودتها للساحة الدولية باعتبارها قطبا اعظم و مركزيا في أي صراع عالمي, و بما أن الحروب تنتهي بالجلوس إلى مائدة التفاوض التي يفرض بها الأقوى شروطه, فان روسيا ترى أن التفاوض في هذه المرحلة قد يعطيها بعض متطلبات امنها القومي مثل السيطرة على المقاطعات الأربعة و منع أوكرانيا من الانضمام للناتو, و لكن الهدف الروسي النهائي يتجاوز ذلك, تحتاج الحرب لان تطول لتفرض سيطرتها على بلدان البلطيق أيضا و البلقان, تحتاج لإرهاق واشنطن اكثر و ما يجري في السعودية من قضم للدور الأمريكي , و ما ستدفعه أوروبا من قلق و ربما تخلل في عقد شعوبها الاجتماعي مع حكامها, تنتظر اشتداد عزم الصين و الهند و ايران و باقي دول البركس و اتفاقيه شنغهاي, هذا ما تنتظره موسكو لبدء التفاوض و حسم الحرب.

