- 15 كانون أول 2022
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى ارشيد
اثارت زيارة الرئيس الصيني للسعودية، والقمم التي عقدها مع ولي العهد السعودي ومن حشدهم من قادة الخليج والعالم العربي على هامش الزيارة، فيضا من الأسئلة، أهمها ما يتمحور حول جدية هذه الصداقة الجديدة ومداها،
وهل هي مناكفة مؤقتة، أم تعبرعن توجهات مغايره لما عرفناه, وبمعزل عن المواقف المسبقة من السياسات الخليجية، والتي لطالما ارتبطت بالغرب حتى أن بعض منها من صناعته، إلا أن جديدا يلوح بالأفق قد طرأ على هذه الدول،
وعلى الجيل الجديد من حكامها, وبها ما هو مختلف عن السابق, ويقتضي الحذر القول أنها تحمل إشارات، بعضها إيجابية و لكن بعض آخر منها سلبي.
إذا نظرنا إلى الجنب الذي به بعض الإيجابية من الكأس، فيمكن ملاحظة أن التباين في الموقف السعودي عن الموقف الأمريكي، قد أخذ أبعادا جدية
وإستراتيجية، تتجاوز المماحكات الصغيرة وباتجاه تحولات كبيرة، فالسعودية على لسان ولي عهدها، كانت قد أعلنت أنها بصدد تنيع علاقاتها ولو كان ذلك مع أطراف تتنافس مع واشنطن مثل الصين وروسيا، وعقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، التي أدت إلى إرتفاع كبير في أسعار البترول، مما عاد بالمال الكثير على خزائن السعودية وغيرها من الدول المنتجة للبترول، ضغطت واشنطن على دول الخليج وخاصة السعودية لرفع سقف إنتاجها، بهدف تخفيض أسعاره و لإرهاق روسيا إقتصاديا، و إضعاف قدرتها على تمويل حربها في أوكرانيا، ولي العهد السعودي هو من صارع لعقد إتفاق أوبك الذي حافظ على إبقاء مستويات الإنتاج منخفضة والأسعار مرتفعة، هذه العلاقة الجيدة بين البلدين والرجلين، بن سلمان و بوتن لا بد وأن تنعكس في القريب إيجابا على الموقف السعودي من الأزمة السورية لصالح دمشق.
في الأيام الماضية، دخلت عملية إستقلال الفرار السعودي عن القرار الأمريكي في مرحلة جديدة ومتقدمة، وذلك مع زيارة الرئيس الصيني للرياض وما رافقها من حفاوة كانت ظاهرة بالإعداد وحتى بلغة الجسد، ثم بما استطاع ولي العهد السعودي من حشد لقيادات عربية وما عقد من قمم وما وقع من إتفاقيات تجارية وإستثمارية وثقافية، ستعود بالنفع على طرفي العلاقة وعلى حساب العلاقة السعودية الامريكية، هذا عدا عن ما لم يعلن عنه من إتفاقيات نستشعرها ولا نعرفها.
من المؤشرات السلبية على تلك التحولات، أن هذه الدول قد كشفت عن موقفها الحقيقي من الصراع في المشرق عموما و فلسطين خصوصا، وأعلنت إنحيازها (لإسرائيل) من خلال عمليات التطبيع معها، بمعزل عن الحد الأدنى الذي أعلنته قمة بيروت عام 2002 بمبادرة الراحل عبد الله بن عبد العزيز،
ومبادرته التي تقترح السلام الكامل مقابل التطبيع الكامل، جاعلا من العالم العربي جهة مقابلة (لإسرائيل)، جاءت عمليات التطبيع رسمية علنية مع الإمارات والبحرين، ولكنها تسير بذات الاتجاه وإن بشكل غير معلن وغير رسمي مع قطر والسعودية وعمان، وذلك بانتظار الوقت المناسب لإعلانها، فلم يعد بعضهم مهتم بإجماع عربي أو بموقف جماعي، وأصبحت فلسطين وحقوقها أمرا يهم الفلسطينين فقط، بهذا تكون تلك الدول قد انكفأت على كيانيتها الضيقة ومصالحها الخاصة، وهي إن أرادت توسيع دائرة الإهتمام، فلن تذهب أبعد من الخليج ومجلس تعاونه الذي يضم دول الجزيرة العربية ذات الحكم الملكي الوراثي.
تجادل هذه الدول في تبرير علاقتها و تطبيعها مع دولة الإحتلال، بأن الفلسطيني الرسمي والشرعي أي منظمة التحرير الفلسطينية وذراعها السلطة الفلسطينية، قد اعترفا بإسرائيل وأصبحت تربطهما شراكة في مجالات الأمن
والإقتصاد وإدارة السكان، وأن هذه الدول لم تفعل أكثر من سلوك الطريق التي سار عليه الفلسطيني قبلها، وعقد الشراكات واستثمر بالإقتصاد معه إسرائيل، وبالنسبة لهذه الدول التي دخلت بالتطبيع على شكلية المعلن وغير المعلن، فإن الشراكة مع إسرائيل تؤمن لها الحماية مع هذه القوة الإقليمية في مواجهه القوة الإقليمية التي جعلت منها عدوا لها، أي الجمهورية الإسلامية مستخرجة من الدفاتر البالية قصص الخلاف السني الشيعي والصراع العربي الفارسي، لقد كان من الأجدى بهم أن يتعلموا الدرس و يستخلصوا العبر من النتائج التي حققها الفلسطيني، ليدركوا أن مغانم السلام مع إسرائيل ليست سوى سراب في صحراء لا ماء فيها و لا زرع.

