• 29 كانون أول 2022
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : سعادة مصطفى ارشيد

 

ما لم يحصل حدث من خارج صندوق التوقعات، فإن من المفترض أن تؤدي الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو اليمين القانوني صباح اليوم الخميس، وبذلك تغادر موقع الحكم حكومة غانتس - لبيد، لتحل محلها الحكومة الجديدة الأكثر تطرفا وغلوا في تاريخ تلك الدولة القصير، بن غفير وسموتريتش كانوا قد أخذوا بالتصرف كوزراء منذ الإعلان عن نتائج الإنتخابات وفوزهم بها، وأخذوا يبادرون بالإتصال بالجنود و صغار الضباط محرضينهم على عدم تنفيذ أوامر قادتهم، مما أثار حفيظة وزير الدفاع الراحل بيني غانتس.

تعقد القيادة الفلسطينية في رام الله رهاناتها وأمانيها الرغبوية على أن العلاقة بين إدارة بايدن الديمقراطية وحكومة نتنياهو اليمينية هي علاقة غير طيبة، بالضبط كما كانت العلاقة بين الرجلين، نتنياهو  مارس كل ما لديه من نفوذ وعلاقات دعما لصديقه وحليفه دونالد ترامب في الإنتخابات الرئاسية الأخيرة، و بايدن دعم خصوم نتنياهو في الإنتخابات الأخيرة، وللحزب الديمقراطي تاريخ في عدم دعم حكومات اليمين في (إسرائيل) و نتنياهو، خاصة منذ المعركة الأولى التي بدء فيها سعية لرئاسة الوزراء عام 1996 ، عندما أرسل بيل كلنتون أفضل ما لديه من خبراء إنتخابات لتل أبيب دعما لحملة شمعون بيرس الإنتخابية، ولكن فاز نتنياهو في آخر الشوط، وكان كلنتون أول من بارك له الفوز، دون أن ينسى أن يقول له : لقد بذلت أقصى جهدي لإسقاطك ولكنك فزت في النهاية بطريقه عادلة.

العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تعلو بالمعنى الإستراتيجي فوق تفاصيل يمين و يسار وحزب ديمقراطي أو إدارة جمهورية، هي علاقة مؤسسات، و لم تكن العلاقة بينهما في يوم من الأيام على طرفي نقيض، حتى إبان أزمة السويس 1956، عندما وقفت واشنطن ضد الحرب على مصر، واجدة في تلك الحرب فرصتها لتصفية النفوذ الإنجليزي والفرنسي من المشرق، و كان ديفيد بن غوريون أسرع من يلتقط هذا الأمر فالتحق من فوره بالأمريكي الجديد.

لكن رئيس الحكومة الجديد يدرك مدى الحاجة إلى ضبط إيقاع حكومته بما لا يتجاوز المحظورات الدولية و الإقليمية، وذلك في مرحلة الحكم الأولى على الأقل، فأعلن في مقابلة له مع صحيفة الداخل اليهودي( jweish inside ) ، عن رغبته في السير قدما في مسار التطبيع عموما، و مع السعودية خصوصا مشيدا بولي عهدها، وبأنه يرى أن التطبيع مع السعودية له خاصية، من حيث أنها قد أصبحت الدولة الأهم في عملية صنع القرار العربي و الإسلامي، مما يؤهلها لتكون القاطرة التي تجر ورائها مقطورات التطبيع من دول عديدة عربية وإسلامية.

السعودية قد أصبحت تملك فوائض مالية هائلة، وردتها من بيع النفط الذي ارتفعت أسعاره إثر الحرب الروسية الأوكرانية، وهي تحتضن المقدسات الإسلامية و ترعى موسم الحجيج، لما تقدم و حسب الصحيفة، فإن نتنياهو معني بتقديم خدمة (إكرامية) للسعودية و ولي عهدها، بتأجيل و تعليق بعض القرارات المؤلمة التي تنوي الحكومة إتخاذها في القدس وفي ضم أجزاء من الضفة الغربية إلى (إسرائيل)، وذلك إلى وقت آخر ولكن من المرجح أنه وقت ليس ببعيد، و تشير الصحيفة إلى أن الشركاء الأكثر تطرفا في الحكومة، قد أخذوا يبدون تفهما لضرورات الحكومة السياسية و أنهم لن يعارضوا تأجيل التنفيذ إلى حين.

هكذا يرى نتنياهو أنه يمنح السعودية غطاء (إكرامية)، و يستطيع الزعم أنه قد قدم لها ما يدعم سعيها للزعامة، هذا وإن كانت السعودية الجديدة وولي عهدها القوي لا يحتاجون لا إلى الغطاء ولا المبرر في مسار التطبيع، فمكانتها وقوتها تتحدد من مكانتها المالية، ثم من تنوع علاقاتها الدولية قبل أي شيء آخر.

رهانات قيادتنا كعادتها، في غير محلها، فالسعودية أصبحت لديها رؤاها ومصالحها مع الجيل الجديد من الأمراء، الذين لا تعنيهم حكايا الجهاد ولا تستثير حميتهم الأغاني الحماسية، و الإدارة الأمريكية ستبقى ترى بمنطق المؤسسة (الدولة العميقه)، أن (إسرائيل) هي القوة العسكرية الإقليمية الأهم و الأكثر فاعلية المحسوبة لها وعليها وهي ذخرها الإستراتيجي، ومن الطبيعي أن الحاجة الأمريكية لهذه القوة تزداد في عالم يتعمق إشتباكه ببعضه، فمع أزمات أوروبا الاقتصادية و حاجتها للنفط ثم مشاكل اللاجئين الذين ضاقت بهم ارضها و اموالها، إلى الحرب الروسية الأوكرانية و ما تسببت به من أزمات طاقة ، إرتفعت أسعارها إلى بحر الصين و سياسة حافة الاشتباك مع تايوان، بمقابل رهاناتنا غير الموفقة، يبدي نتنياهو الثعلب الماكر والماهر، الفرق بين أداءه الانتخابي أو كزعيم للمعارضة، وبين استحقاقات قيادته للحكومة, فيما الفلسطيني الجامد والذي لا يفعل شيء وسط عالم متحرك باقيا في حالة انتظار حصول معجزة تخرجه من ازمته في زمن ولي فيه عهد المعجزات.