• 29 كانون أول 2022
  • أقلام مقدسية

بقلم : أحمد صيام 

كانت تقف شبه وحيدة وهي تنتظر من يدعمها ويؤازرها للاحتجاج على استمرار سلطات الاحتلال الاسرائيلي احتجاز جثمان ابنها الشهيد الذي قضى بسبب الاهمال الطبي ، وكذا مئات الاسرى الشهداء الاحياء ومنهم من قضى نحبه وجثمانه اما محتجزا في الثلاجات واما في مقبرة الارقام .. 

انها خنساء فلسطين ، والدة الشهداء والاسرى والجرحى ، والدة الشهيد الاسير ناصر ابو حميد الذي مضى على استشهاده اكثر من اسبوع ، واضحت رمزا لذوي المناضلين الذين يقضون ما تبقى من اعمارهم خلف قضبان الاحتلال ، كانت على رأس مسيرة لم يجتمع فيها اكثر من خمسين متضامنا واغلبهم من ذوي الشهيد الاسير والبقية الباقية من عامة الشعب ، فيما خلت من ذوي الشأن الرفيع والذين كانوا قد فردوا عضلاتهم وقاموا باستعراض في ظاهره كان حزينا غاضبا على استشهاد الاسير ناصر ابو حميد ، وفي باطنه " مرحلة وتعدي "  ويعود كل منهم الى " حظيرته " وكأن شيئا لم يكن !! بعد ان ادلى كل بدلوه ، فمنهم من ذرف الدموع ، وندد ، واستشاط غضبا ، ومنهم من اعرب عن اسفه ، ومنهم من هدد الاحتلال مطالبا بتسليم الجثمان لتشييعه خشية انفلات الوضع الامني وعدم السيطرة عليه !! ومنهم من استعرض مناقب الشهيد وبطولاته وهز صريخه المكان وبدت ملامح الغضب الساطع على وجهه ، الى درجة يجعل من يستمع اليه يعتقد انه كان من خطط لهذه البطولات وهو جالس على كرسيه خلف مكتبه يتمتع بدفىء وتبريد المكيف !! وما كان ذاك الشهيد الا عنصرا استخدمه لتنفيذ هذه البطولات !! والى هنا انتهى الاستعراض ، ولكن دون ان يسأل نفسه من وقف واستعرض ولم تخلو وجناته من " ملامح السخط والغضب المفتعل " : ماذا فعل للخروج باقل الخسائر غير اعلاء الصوت والذي لم يعد يجد آذانا تصغي له ؟ حتى بني جلدته باتوا لا ينصتون اليه وفقدوا الثقة به لانهم كانوا على وشك ان يصدقوا ان هناك انجاز قادم ليكتشفوا انه وهمي ومجرد استعراض ، وما كانت الخطابات الشعبوية الرنانة الا وسيلة للوصول الى مزيد من المراتب العليا وتحقيق مزيد من المصالح الضيقة !! وهل حقا كانت هناك مطالبات جادة لاحقاق الحق ، ام فقط كانت المطالبات امام العدسات ، فيما بالخفاء ابتسامات ولعب وضحك وإمعان في التآمر ؟ 

من بديهيات العمل ، عسكريا كان ام دبلوماسيا ، حساب نقاط القوة التي يمتلكها كل جانب ، وكذا نقاط الضعف ، وعدم الاستخفاف باي منها ، ولكن شريطة استخدامها بشكل صحيح يؤتي ثمارا طيبة ، ومن البديهيات ايضا ان العدو لا يعرف سوى لغة القوة . 

 هل ما زال لدينا نقاط قوة بين ايدينا لنفرض شروطنا ؟ ربما يجب ان يكون السؤال بطريقة آخرى : هل وضعنا جميع ما نملك من نقاط قوة بسلة العدو وسلمناه اياها وفسحنا المجال له لاقتناص ما يمكنه ومما لم نستطع اسقاطه ؟ لمجرد اشارة اطلقها العدو في باطنها من دون شك خادعة مخادعة ، وليتضح فيما بعد انها تصب في صالح العدو وفي الوقت نفسه تحمل في ثناياها الفتات مما يدور ضمن دائرة المصالح الذاتية الضيقة دون اي حساب للمصلحة العليا !!  

العدو ادرك ومنذ اللحظة الاولى لاحتلاله الارض وربما اجرى دراسات مسبقه قبل اقدامه على الاحتلال ، ان ردات الفعل الرسمية لن تكون ابعد من الادانة والاستنكار والانتظار للزمان المناسب لتحديد المكان المناسب لاجل الرد المناسب ، ولم يكتف بذلك انما اعد العدة لترويض ما اظهر تمرده وربما كان في هذا التمرد بعض الحرص على المصلحة العليا ، ولكن العدو نجح بازالة كل المعيقات من طريقه والتي من الممكن ان تفسد خطط  تبناها بعد دراسة الطرف الاخر جيدا من كل الجوانب ، ليروض ذلك المتمرد ، ويجعل منه مهرولا ، فاقدا لكل مقومات الكرامة مستسلما لمعطيات العدو ، وكأن لا سبيل للوصول الى الحقوق كما صار يشيع بين الفينة والفينة الا هذه الوسيلة ، والصادم بالامر ان العدة التي اعدها العدو لم تكن سوى اغراءات ضيقة مغلفة بتهديدات مبطنة مسحت ما تبقى من نقاط القوة لتحل مكانها نقاط ضعف مستديمة .

الصادم اكثر ان من جرى ترويضهم في غالبيتهم كانوا قد ولدوا من رحم المعاناة وامضوا حياتهم مناضلين ، اما مطاردين اواسرى او كانوا قد فقدوا من ذويهم من تمسك بثوابته ورفض الترويض ، وعاشوا تجربة التشرد واللجوء ، وعرفوا جيدا ما يكابده شعبهم في الشتات ، وبعضهم من كان على تماس مباشر مع القاعدة الجماهيرية وابناء شعبه ، وربما ذلك كان رصيده للوصول الى الهرم القيادي ، ومن حينها ابتعد عن قاعدته الشعبية وانخرط بسياسات العدو تحت ذريعة " الحفاظ على المصلحة الوطنية " وعمد الى اقصاء وتهميش من لم يتخل عن هدفه النضالي وتمسك بثوابته ولم ينحرف عن البوصلة الوطنية ، غير ذلك ان هذه النوعية تركت وحيدة فريسة للعدو يقتص منها لعدم اندماجها بسياساته الرامية الى فرض واقع جديد يقوم على ابتلاع مزيد من الارض وتغيير معالمها والابقاء على من جرى ترويضهم يستخدمهم ادوات لتحقيق اهدافه العدوانية بحق الاغلبية الصامتة حاليا ، مغفلين ان في داخلها كم هائل من الغضب قابل للانفجار في كل لحظة . 

هذا الانفجار بدت ملامحه تطفو على السطح وتتبلور بالظهور المسلح لمجموعات محلية كعرين الاسود والاسد المقنع وكتيبة جنين وغيرها ممن لم يظهر بعد ولكن هم بالاساس من الاغلبية الصامتة المهمشة التي تسعى باعمالها المسلحة الى قض مضاجع العدو وارهاقه وصولا الى تحقيق الاحلام بالحرية والكرامة والاستقلال ، بعد ان ادركت انه وبعد عقود من المباحثات والمراوغات والالتفافات والخداع والمكر ان العدو لا يفهم سوى لغة القوة ، وهي اللغة التي ستقوده الى الجلوس على مائدة المباحثات للاقرار بحقوق الغير . 

وهنا ياتي السؤال : هل من جرى ترويضه وهرول نحو احضان العدو مدرك للمتغيرات التي جرت في تشكيلة هذا العدو وانحرافه نحو التطرف وانكار الغير حتى من يتساوق وسياساته ؟ وهل سيجري استغلال هذه الفرصة الذهبية رغم ما فيها من آلام ومعاناة قادمة سيكابدها الكل من دون تمييز، وتدفع باولئك المهرولين الى الانتفاض ومغادرة احضان العدو والعودة الى احضان الشعب ، والبدء برسم استراتيجية جديدة بخطوات واضحة تصب في الصالح الوطني العام ويكتفوا بما حققوه من مصالح ضيقة ؟ 

لا يمكن الاستمرار بسياسة صم الآذان وعدم الالتفات الى المطالب الجماهيرية المحقة والمضي بالمشاريع المشبوهة القادمة التي ستطالهم ان آجلا ام عاجلا !! القضية بحاجة الى من يجيد فن تحويل الازمات الى فرص متاحة !! من دون شك ان ذلك يتطلب اولا الايمان بالفكرة والاخذ بالاسباب التي دعت الى الازمات ومن ثم مشاركة الكل في اطار الخط الوطني واجراء مراجعة شاملة لمراحل سابقة لاستبعاد السلبيات واسقاط الايجابيات ، ان كان هناك ايجابيات ، حتى يكتب النجاح لتحويل الفكرة الى خطوات عملية تضمن التصحيح مع مراعاة ضرورة التغيير والتواصل الفاعل الدائم مع القاعدة الجماهيرية واشعارها بان العمل جماعي وليس ملكية خاصة او مزرعة يحتكر العمل فيها فئة متنفذة لا تعير اهمية لنبض الشارع وعلى قاعدة الشفافية والمصلحة الوطنية العليا ومن ثم قياس الاداء وتحسس مواطن التقدم وتحسين اي خلل من الممكن ان يكون هنا او هناك