• 5 كانون الثاني 2023
  • أقلام مقدسية

بقلم : سعادة مصطفى ارشيد

 

تشير مجريات الأحداث على أن العام الجديد ماذا ينتظر الفلسطيني سيكون عاما صعبا، على الإقليم عموما، و على فلسطين خصوصا، فالتوجهات المتطرفة وإن كانت متماثلة في كل حكومات الإحتلال، بغض النظر عن يمينها و يسارها، إلا أن الأمور سوف تأخذ أشكالا أكثر حدة مع استلام الحكومة الجديدة لمهامها، و هي الأكثر تطرفا و تلمودية في تاريخ (إسرائيل) القصير، و بما تحوي داخلها من مكونات دينية وعنصرية ذات نهج صريح أعلنته في برامجها و أدائها.

منذ فجر اليوم الأول مطلع العام الحالي، شنت الحكومة وجيشها حملة اعتقالات واسعة على طول الضفة الغربية و عرضها، و اجتاحت مدينة نابلس لاعتقال مقاومين، وفي ثاني أيام السنة اجتاحت جنين وقراها، بهدف هدم بيوت مقاومين، و قتلت أثناء ذلك شابين وجرحت آخرين، منهم ما زال في العناية الطبية المكثفة لخطورة إصابته.

وزارة الأمن الداخلي أصبحت بعد أن تسلمها المتطرف بن غفير وزارة الأمن القومي، التي ستكون مسؤولة عن الأمن و الشرطة، و عن مناطق الضفة الغربية، و مسؤولة عن إدارة العلاقة مع السلطة الفلسطينية و إدارة الاشتباك مع غزة، وذلك بعد أن بقيت إدارة هذه الملفات منذ عام 1967، بيد أن وزارة الدفاع والجيش اللذان أدارهما بقدر من الحرفية التي يفتقد إليها الوزير الجديد.

ما تقدم يذهب إلى أن ملفات عديدة ستكون على قدر كبير من السخونة، أولها ملف القدس و الأماكن الدينية المقدسة، و هذا الملف كان له دور رئيس في حشد الأصوات الانتخابية لصالح بن غفير، الذي رفع شعار تهويد المدينة والاستيلاء على المسجد الأقصى وباحاته، باعتباره جبل الهيكل المزعوم الذي يسعى بن غفير وعدد من الجمعيات التلمودية لإعادة بنائه، أعلن بن غفير مساء الإثنين الماضي عن أنه سيدخل المسجد الأقصى للصلاة و معه جموع غفيرة من جمهوره المتطرف، وبحماية الشرطة التي أصبحت تأتمر بأمره، لكنه ما لبث أن ادعى أنه تراجع في اليوم التالي، وأجل دخوله لفترة يقول أنها قصيرة، وذلك استجابة لضرورات سياسية أقنعه بها رئيس الحكومة، وذات علاقة بإعلان التطبيع مع السعودية في القريب.

برنامج بن غفير يقضي بالاستيلاء أولا على جزء من الحوض المقدس، الذي يشمل المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة والباحة المحيطة بهما، و تقسيم السيادة مكانيا وزمانيا بين الفلسطينيين واليهود، أما في المرحلة الثانية فهو يريد كامل المكان، الجزء الأول من مخططه يفترض به أنه سوف يدفع الأوضاع نحو تأزم على أكثر من صعيد،  بدءا من الأردن الذي تحدث بلهجة حادة لم يسمعها أحد منذ ثلاثة عقود ومن الملك مباشرة، كما تهديدات حماس من غزة بردود قاسية، وهي التي أقامت مصداقيتها على قاعدة الدفاع عن القدس والمسجد الأقصى منذ حرب سيف القدس.

  زيارة بن غفير تثير مشاعر المسلمين عبر العالم، ويفترض بها أن  تحرك جموعا كالتي رأيناها في البحرين مؤخرا، وما ورد على ألسنة من تحدثوا للإعلام من عامة الناس في قطر أثناء مونديال كرة القدم،  والأخطر هو تحرك الشارع الفلسطيني ككتلة واحدة من الجليل إلى النقب، والزحف كما في رمضان قبل الماضي للقدس و للمرابطة في المسجد الأقصى لحمايته، مع الإستعداد للاشتباك مع المعتدين، سواءا كانوا من المستوطنين أو من أجهزة الدولة التي سوف تتحرك لتنفيذ قرارات حكومية.

ظن الناس أن هذه الزيارة قد أصبحت مؤجلة، لكن بن غفير غافل الجميع بقيامه بالدخول للمسجد الأقصى صبيحة الثلاثاء، وأخذ الصور مبتسما مزهوا، مكتب رئيس الحكومة علق على الزيارة بأنها طبيعية و شرعية و لا يوجد بها ما هو استثنائي، فمن حق بن غفير أن يزور المكان الذي طالما زاره الوزراء في حكومات (إسرائيل) المتعاقبة والزيارة كانت قصيرة لثلاثة عشر دقيقة فقط ولم يقم بن غفير اية صلوات وشعائر دينية، و بشكل موارب غامزا  أشار في التعليق أن الزيارة ردا على تهديدات لا تخيف الحكومة، الأمر الذي أوضحه صحافيون ورجال رأي مقربين من الحكومة : أن الزيارة ليست ردا على تهديدات حماس فقط، و إنما الملك عبد الله الثاني أيضا، وأن على عمان و رام الله أن تدركا بأن الوضع السابق (ستاتيكو) ليس مقدسا.

أراد بن غفير من دخوله للمسجد الأقصى أولا أن يؤكد تهديداته و انه يطبق بالفعل ما يقول و ثانيا إجراء اختبار (pilot), لفحص ردود الفعل الفلسطينية على مواقعها في الضفة و غزة ومناطق 1948 ثم العربية و تحديدا الأردنية في خطوة أولى لطرد الأوقاف الأردنية من المكان تمهيدا لنزع الوصاية الهاشمية على المكان المقدس.

أصدرت حكومات العرب والمسلمين من مشارق الأرض ومغاربها بيانات الإدانة والاستنكار، فيما ابتلعت الأطراف التي أطلقت التهديدات ألسنتها، ولعل من أكثر الردود جدية على الزيارة، هي رسالة التأنيب التي أرسلها الحاخام السفاردي الأكبر، والذي يعتبر المرجعية الدينية لبن غفير ويطالبه بعدم تكرارها، بالطبع بانتظار ظهور المسيح المخلص، قد يكون من المبكر الحكم على ردود الأفعال وجديتها، ولكن المتوقع أن تكون أكثرها جدية هي الردود الشعبية الفلسطينية غير المرتبطة بجهات سياسية وإقليمية.

عام 1969 احرق متطرف يهودي المسجد الأقصى وأتت النار على بعض معالمه منها منبر صلاح الدين الأيوبي, تقول غولدا مائير رئيسة الوزراء في حينه: لم أنم تلك الليلة وكنت أعتقد أن من أحرق المسجد الأقصى سيتسبب في إحراق (إسرائيل) وكنت أفترض أننا سنجد في صباح اليوم التالي الملايين يزحفون علينا من عالم العرب والمسلمين, في الصباح عرفت كم كنت مبالغة فالردود اقتصرت على البيانات.

خمسة مسائل تم ترحيل بحثها في إتفاق أوسلو 1939، و هي القدس والمستوطنات واللاجئين والحدود والمياه، هذا العام سيكون حاسما لجهة فرض الرؤية الإسرائيلية التلمودية على القدس، و ربما على المسائل الأربعة الأخرى، تعتمد (إسرائيل) على قوتها على الأرض و على تخاذل من يكتفون بإصدار بيانات التنديد و الادانة، و الذين يطالبون المجتمع الدولي بأن يقف عند مسؤولياته، فيما لا يقفون هم عند واجباتهم ومسؤولياتهم.