- 11 كانون الثاني 2023
- أقلام مقدسية
بقلم : أحمد صيام
من دون شك ان الدعوات التي أطلقها مسؤولون فلسطينيون مؤخرا وكان قد بادر اليها الرئيس محمود عباس في الذكرى الثامنة والخمسين لانطلاقة الثورة الفلسطينية وحركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) لحوار وطني شامل ، خطوة بالاتجاه الصحيح ، وان أتت متأخرة لكن خير من لا تاتي ، وربما فيها رسالة فلسطينية واضحة للحكومة الاسرائيلية اليمينية الكاهانية التي يقودها نتنياهو وبن غفير وسمودريتش وامثالثهم من غلاة المتطرفين الإسرائيليين ، ويبدو ان هذه الدعوة ما كانت لتطلق إلا لإدراك القيادة الفلسطينية حجم التحديات الخطيرة التي تحيط بالساحة الفلسطينية من كل جانب ووصولها كما يبدو الى قناعة ان الوحدة الوطنية الفلسطينية باتت صمام الأمان الوحيد للتصدي للمخاطر القادمة ، والتي أخذت ملامحها تظهر من اول يوم استلمت فيه الحكومة الاسرائيلية اليمينية الجديدة مهامها ، حين استعرض بن غفير عضلاته في تحد خطير غير مسبوق لمسؤول اسرائيلي واقتحامه ساحات المسجد الأقصى من باب السلسلة . هذه الدعوة بالرغم من أهميتها إلا أنها تثير عدة تساؤلات : هل الحوار الوطني الشامل وحده كفيل بمواجهة التحديات ، فيما حركة فتح رائدة النضال الفلسطيني تعاني من حالة ارتباك في صفوفها و تعصف بها الخلافات ، خاصة في ظل استعار حرب خلافة الرئيس محمود عباس ، والتجييش الحاصل بين قيادات الحركة وأعضاء من اللجنة المركزية ؟ ثم اليس من الاجدر ان يجري ترتيب البيت الداخلي الفتحاوي من خلال حوار فتحاوي فتحاوي للملة صفوف حركة فتح قبل الشروع بحوار وطني شامل ؟ الا يجدر ان يقف كل مسؤول أمام نفسه وماذا قدم واين نجح وأين أخفق في دفاعه عن القضية الفلسطينية ؟
حركة فتح حاليا ليست بوضع يسمح لها قيادة الحركة الوطنية من جديد لأجل ضمان نجاح الحوار الوطني الشامل !! ولكن لماذا ترتيب البيت الفتحاوي ضرورة أساسية لنجاح الحوار الوطني الشامل ؟
نشأنا وتربينا على ان حركة فتح هي العمود الفقري في الجسم الفلسطيني ، فإن اختلت فقرة من فقراته اختلت الفقرات المتبقية وصولا الى الاحتضار .. والعكس صحيح ، فهناك حاجة ماسة جدا لفتح قوية تضم تحت جناحها مختلف الأفكار والاجتهادات الفتحاوية دون تمييز . لماذا ؟
لان حركة فتح كانت قد نهضت من حطام النكبة فالنكسة فكانت اول الرصاص واول الحجارة ، واستطاعت بنضالاتها أن تصحح البوصلة وتجعل من القضية الفلسطينية ، قضية وطن سليب بعد ان حاول البعض حصرها بقضية انسانية ولاجئين شردوا عن ديارهم ، ويشهد تاريخها انها كانت اول من هزم الجيش الذي كان لا يقهر في معركة الكرامة بعيد نكسة حزيران 1967 ، وكانت المدافع الشرس عن القرار الوطني المستقل ، حاورت وحاربت .. كسبت وخسرت .. لكنها حافظت على قرارها المستقل بعيدا عن التبعيات ، وسطرت أعظم الملاحم البطولية في بيروت وقدمت الشهيد تلو الشهيد ، والجريح تلو الجريح ، والأسير تلو الأسير، وجعلت لون الأرض أحمرا في شقيف . حركة فتح جمعت بين الفكر الحر الديمقراطي اليميني واليساري ، وكانت دوما السباقة للوحدة الوطنية ، جعلت من مسلكياتها الثورية النضالية سلاحا لكل فلسطيني يصبو الى الحرية والعودة والاستقلال .
فتح ام الجماهير لأنها حامية المشروع الوطني وزارعة الامل في الأجيال ، ولها انتصارات حقيقية لا وهمية ، كانت المبادرة دوما للحرب والسلم ، والقاسم المشترك لكل أبناء الشعب الفلسطيني .. ولانها ولانها ولانها .. والمسيرة طويلة .. ولأجل ذلك كله تكالبت قوى محلية واقليمية وعربية واجنبية بتخطيط كولينيالي للنيل منها والحد من سطوتها في الشارع الفلسطيني ، ناهيك عن مجموعة من الحقائق الفتحاوية الداخلية ساعدت هذه القوى في مساعيها الهدامة ومنها :حالة التخبط التي تعيشها الحركة الناجمة عن الصراع الدائر بين قياداتها على المناصب وخاصة خلافة الرئيس محمود عباس ، ويتضح ذلك من التسريبات الاخيرة من أعضاء باللجنة المركزية .
2. انخراطها بسوء أداء السلطة انعكس سلبا جدا على شعبيتها .
3. حالة الجفاء بين القيادات الفتحاوية الحالية المتفردة بالقرار التنظيمي والكادر المتعطش لنهضة فتحاوية تكون على تماس مباشر مع الجماهير .
4. فقدان الثقة بين الهرم والقاعدة .
5. غياب الوعي التنظيمي والتعبئة الفكرية ، و انحراف بوصلة الحركة عن الفكرة السامية التي انطلقت لأجلها .
6. المخالفات التنظيمية المتكررة والتي تساهم بتدمير الحركة خاصة فيما يتعلق بالتعيينات و قرارات الفصل التعسفية لكوادر تنظيمية لها باع طويل و حافل بالمهام التنظيمية والنضالية .
7. تهميش الكفاءات التنظيمية والمهنية والعلمية والأكاديمية ، واستبدالها بمتطفلين وفق حسابات قبلية عشائرية بعيدة عن الواقع التنظيمي .
8. تغليب المصالح الذاتية على المصلحة التنظيمية العليا للحركة ، والانخراط بمشاريع الأسرلة على الوطنية .
9. ليس سرا حينما نقول ان حجم الفساد الكبير الذي دك كوادر الحركة جعل كثيرا ممن تبوأ مناصب قيادية النظر الى الفئات الادنى بالرتب التنظيمية من بروج عاجية .
10. التدخلات الإقليمية والعربية والدولية المبنية على حساباتها البعيدة عن المصلحة الفلسطينية ، بالكثير من القرارات التنظيمية ، وما كانت تلك التدخلات الا لإدراك اصحابها بان حركة فتح رقم صعب وصاحبة رؤية وطنية بحتة ، واستطاعت أن تعيد إحياء الهوية الوطنية الحضارية للشعب الفلسطيني بعد أن تعرضت للطمس والتذويب ، بالتالي لا إمكانية لتمرير اي مخططات تصفية للقضية الفلسطينية الا باضعافها وحرفها عن البوصلة الوطنية وتنصيب قيادات فتحاوية على المقاس الذي يرونه مناسبا.
11. انحراف القيادة الفتحاوية عن خط المقاومة وتمسكها بالخيار السلمي والذي اثبت فشله في أكثر من مناسبة وانعدام الأفق السياسي اضر كثيرا بحركة فتح وشعبيتها على الصعيد المحلي .
12. الانقسام بين شطري الوطن وربما قطع الرواتب عن الكثير من تفريغات 2005 بقطاع غزة ساهم في خلخلة موازين الحركة ، مع العلم ان الغزيين يعتبرون المخزون الفتحاوي البشري الأكثر كما .
وربما هناك المزيد ولكن هذا لوحده مجتمعا جعل من فتح اليوم مختلفة عن فتح الامس .. فقد ابتعدت فتح اليوم عن الفكرة التي انطلقت لأجلها !! أصابها الترهل والوهن وأصبحت كالرجل المريض ، غلبت عليها النزعة الفردية المبنية على المصالح الذاتية المغلفة بالانانية المطلقة على النزعة الجماعية ، وتقودها مجموعة من "الرويبضة" أشبه بالمرتزقة .. تنفذوا ونجحوا في حرف البوصلة عن الأهداف التي انطلقت لأجلها .
من رأى الألوف المؤلفة التي خرجت لإحياء الذكرى الثامنة و الخمسين لانطلاقة حركة فتح يفي الضفة الغربية وقطاع غزة ، يكاد يجزم ان اي من التنظيمات الاخرى يستطيع ان يهزم حركة فتح في اي انتخابات قد تجري ، ولكن لماذا خسرت الحركة انتخابات 2006 وكادت تخسر الانتخابات الاخيرة التي ألغاها الرئيس ابو مازن متذرعا باستبعاد الاحتلال القدس منها !! واضح مما سلف ذكره ان حركة فتح هي المتسبب في خسارة حركة فتح لاي انتخابات ، حيث انقسامها وتعدد "الحردانين" والمرشحين من كوادر الحركة الذين انتابهم شعور بالغضب من الإقصاء والتهميش .
من هنا يمكن القول ان الحوار الوطني الشامل يجب ان يسبقه حوارين : الأول حوار مع الذات خاص بالصف الاول من القيادة ، يجري فيه مراجعة شاملة للمراحل السابقة ومن ثم نقد ذاتي واستنباط مواطن الخلل والإخفاق وإسقاط مواطن النجاح ان وجدت على المرحلة القادمة وصولا الى الخروج باستراتيجية جديدة للعمل الوطني.
ومن ثم حوار فتحاوي فتحاوي ، يبدأ بوقف التراشقات بين أعضاء الحركة والالتفات الى المخاطر المحدقة بالمشروع الوطني وترتيب البيت الداخلي لإنقاذ الحركة من المنعطف الخطير الذي تقف امامه ، لان المتعمق بأوضاعها الداخلية يجد ضرورة إلى هزة أو انتفاضة من أجل إعادة إحياء مؤسساتها وانتخاب قيادات وأطر جديدة لها بما في ذلك الموقع الأول ، وحل كافة القضايا العالقة مع نفسها ، لان حركة فتح ليست شأنا خاصا بكوادرها ، فما تقرره وما لا تقرره لا يتعلق بها فقط ، بل يلقي بظلاله على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ومن قبل على كافة الأطر والحركات والفصائل الوطنية الفلسطينية .
إصلاح البيت الفتحاوي ، من دون شك سيقود الى إصلاح الهيكل الوطني الفلسطيني بكافة مشاربه والوانه ، وهو منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في إطار حوار وطني شامل يقود الى تبني استراتيجية وطنية متفق عليها بين كافة الاطر السياسية والاسلامية قائمة على تعزيز الصمود ومواجهة المخاطر والتحديات الداخلية الإسرائيلية والغربية ، تكون بمثابة خطة إنقاذ وطني .

