- 30 كانون الثاني 2023
- أقلام مقدسية
بقلم : عزام توفيق ابو السعود
بعد كل حادث أو حرب، تعودنا من الإسرائيليين أن يستعملوا تعبير" استخلاص العبر" . وهو تعبير تقييمي للحدث أو الحرب، وتحليله ، ومعرفة أين الضعف في التصرف لتلافيه في حدث قادم. دائما يستخلصون العبر، لكنه لا يصلون الى معرفة السبب الحقيقي للحدث، لأنهم لا يفكرون الا بطريقة واحدة لم تتغير، ولذلك فإنهم لم ولن يستخلصوا العبر.
تمسك الفكر الصهيوني بمقولة لبن غوريون، زعيمهم الأكبر ، تلك المقولة " الكبار يموتون والصغلر ينسون" ولم يخطر ببالهم أن هذه المقولة ليست مقدسة، وليست حقيقية، صحيح أن الكبار يموتون، لكن الصغار لا ينسون، خاصة إذا مورس ضد الصغار ما مورس ضد الكبار.
أول موضوع في استخلاص العبر هو العقاب بهدم البيوت! وهو درس تعلمتموه من الإنجليز حين كانوا يحكموننا، آلاف البيوت لمن قتلتموهم أو اعتقلتموهم ، قمتم بهدم بيوتهم، واعتبرتم أن هدم البيوت هو رادع قوي كي لا يقاومكم آخرون.. فهل توقف الآخرون عن المقاومة .. كلا .. لذلك فإن هدم بيوت المقاومين، لم يؤت أكله. فلم تتوقف المقاومة، ووجدنا أن الحفيد ينتقم ليس لأبيه فقط الذي اعتقلتموه أو قتلتموه، ولكن ينتقم لجدّه أيضا. وهذا يعيدكم لأن الصغار لا ينسون ، إضافة الى أن هدم البيوت لم يجد نفعا، ولم يتوقف الفلسطينيون عن المقاومة.
جربتم " روابط القرى" في نهاية السبعينات وبداية الثمانينيات، ولم "تزبط" معكم، فالفلسطينيون أسقطوا روابط القرى .. لم تستخلصوا العبر ، وأردتم أن تكون السلطة الفلسطينية نسخة أخرى مطورة من روابط القرى.. فهل نفعت هذه التجربة المطورة وأنتم ترون أن جنين ونابلس قد خرجت عن طوع السلطة، وأن الخليل في الطريق إلى التمرد، وكانت غزة قد خرجت قبل ذلك بكثير، إضافة لأن السلطة لا تحكم القدس العربية! فهل استخلصتم العبر؟
هجّرتم الفلسطينيين عام 48 من أرضهم، وحاولتم تهجيرهم مرة أخرى عام 67، فلم يخرج منهم إلا عدد قليل، وتحاولون تهجيرهم منذ عام 67 بكل الطرق، لكنهم لا يهاجرون، بل يتكائرون. فهل استخلصتم العبر ؟
لم تدركوا بأن الشعب الفلسطيني فقير .. لن يهرب أمواله إذا أحس بالخطر، لأنه لا يملك مالا يخاف عليه، الفلسطيني مديون للبنك ولا يملك أسهما يخاف عليها، لذلك ليس من السهل أن تطردوه من بيته وقريته ومدينته، وليس من السهل أيضا أن تقوموا بترحيل جماعي كما فعلتم عام 48.
المؤبدات والسجن طويل المدى والأحكام المبالغ فيها، هل ردعت الفلسطينيين، تأقلم السجناء على حياة السجن، وزادت كراهية أبنائهم للإنتقام منكم .. وبعض السجناء أطلقتم سراحهم في صفقات عدة لتبادل الأسرى ، لكنكم أعدتم اعتقالهم لاحقا، لماذا؟ لأن السجن لم يكن رادعا عن حب الوطن وحب الأرض! فهل أخذتم العبر؟
الشباب الذين ضربتموهم باب العامود وفي المسجد الأقصى، واعتقلتموهم ولم تجدوا تهمة لهم تستحق أن يسجنوا فأطلقتم سراحهم، هل أخفتموهم؟ أم زدتوهم حقدا وكرها لكم؟
أساليبكم في تخنيع الشعب الفلسطيني جميعها لم تنفع في اقتلاع الفلسطيني من جذوره وحبه لأرضه .. لا القتل بدم بارد ولا السجن ولا هدم البيوت ولا الضرب ولا سحب الهويات ، ولن يكون التوقف عن دفع مخصصات التأمين الوطني رادعا للفسطيني كي يخافكم أو يحبكم أو يتوقف عن مقاومتكم ، أو يخنع أو يخضع أو يلين .. إستقوا العبر من الحقائق لا من أوهامكم .. فالفلسطيني ابن هذه الأرض لن يتخلى عنها ولا يخاف جبروتكم .. لن يسكت فلسطيني عن المطالبة بحقه الذي سلبتموه إياه مهما تقادم الزمن .. أنتم أحد غزاة هذه الأرض.. خرج جميع الغزاة عبر التاريخ .. وبقي الفلسطيني صاحب الأرض عليها .
خذوا العبرة من الحروب الصليبية .. قتل الصليبيون وطردوا جميع سكان القدس من مسلمين ومسيحيين أرثوذكس فابتعدوا عنها مئة عام .. لكن صلاح الدين وبعده المماليك .. أعادوا أهل القدس للقدس بعد إبعاد قسري ظالم لهم ، أعاد صلاح الدين للقدس عشرة آلاف مقدسي مسلم ومسيحي، فأصبحوا الآن أربعمائة ألف عربي ! فهل أخذتم من التاريخ العبر؟!!!
اما نحن الفلسطينيون، فهل أخذنا العبر ؟ من يريد أن يقاوم لا يجب عليه أن يتفاخر أو يتباهى، أن يسمح لرجال الإعلام أن يعرفوا عنه أو يظهر بأي وسيلة إعلامية. عليه أن لا يستعرض قوته، أن لا يظهر سلاحه " ويطخطخ في الهواء" .. هذه الأمور هي مقتله .. فهل نستخلص نحن أيضا العبر؟!

