• 16 شباط 2023
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : سعادة مصطفى ارشيد 

 

استأثر الاهتمام بسلوك وسياسات الحكومة (الإسرائيلية) الجديدة باهتمام الفلسطينيين واهل مشرقنا ، بسبب السياسات التي تعلنها الحكومة ووزرائها تجاه ملفات الاستيطان والقدس من قبل وزير الأمن القومي بن غفير، وحتى تجاه السلطة الفلسطينية التي صادر وزير المالية سموترتش جزء من أموالها بقرار غير مبرر إداريا، هذا الاهتمام له ما يبرره من حيث أن هذه الحكومة تريد حسم ملفات الصراع الرئيسية، و لا تبالي بارتكاب القتل والإجرام دون حياء أو نفاق يظهرها أمام العالم، باعتبارها دولة ذات معايير إنسانية أخلاقية، إلا أن الاهتمام بهذه الملفات المتعلقة بالشأن الفلسطيني  في الجانب الآخر (الإسرائيلي) المعارض لحكومة نتنياهو السادسة، كان ثانويا لصالح الملفات الإسرائيلية الداخلية. 

في مجال التحليل ثمة ثلاثة ملفات ستكون هي محطات السجال اليهودي –اليهودي المركزية بين حكومة الأغلبية المرتاحة لوضعها البرلماني،وبين المعارضة التي ترى أن الديمقراطية وفقا للنمط الغربي المعمول به في (إسرائيل) تعني المشاركة لا المغالبة، و الملفات الثلاثة هي ملف السلطة القضائية والدفاع عن استقلاليتها، و ملف الديمقراطية التشاركية، بالطبع اليهودية – اليهودية باعتبار الدولة دولة اليهود أصلا، و ملف الهوية الجامعة في مقابل الهويات الفرعية، أما الملف الفلسطيني فهو خارج التداول الجدي باعتباره ملفا أمنيا وإداريا ثانويا لا ملفا سياسيا.

ترى المعارضة على اختلاف مشاربها و مرجعياتها، أن تيار اليمين المتطرف قد ربح معركة السلطة التشريعية بفوزه بالانتخابات بأربعة وستين مقعدا برلمانيا، بعد معركة طاحنة استمرت أربعة سنوات جرت خلالها خمسة انتخابات عامة، ثم أنها كسبت معركة السلطة التنفيذية بفوزها بثقة البرلمان (الكنيست) و شكلت حكومة تبدو طويلة العمر حتى الآن, و ترى المعارضة أن المعركة الآن حول السلطة الثالثة – السلطة القضائية التي تريد تعديلات نتنياهو إجرائها مما يؤدي لإضعاف جهاز القضاء وإلى أن تصبح الحكومة ورئيسها فوق القانون وغير خاضعين له، يريد نتنياهو وتحالفه الإمساك بزمام السلطة القضائية ووضعها في خدمته، وذلك من خلال وزير العدل الجديد و مجموعة التشريعات الجديدة التي يقول نتنياهو أنها وردت في برنامجه الانتخابي والذي نال الثقة على أساسه،  وإن استطاعت الحكومة تمرير ذلك فسيصبح وضع نتنياهو شبيه بوضع الملك الفرنسي لويس الرابع عشر الذي كان يقول : أنا الدولة والدولة أنا.

تعيش (إسرائيل) حالة استقطاب سياسي داخلي غير مسبوق إذ تبدي المعارضة استعدادا للمواجهة حتى نهاية الشوط ولسان حالهم يقول: لم يتبق شيء خارج سيطرة الملك المستبد بن يامين نتنياهو، وسينضم إلى السياسيين المعارضين القضاة والمحاميين والنقابات الفاعلة، والتي لا يزال بعضها خارج سيطرة اليمين, تظاهر مئات الآلاف و للأسبوع السادس ضد الحكومة الجديدة في أكثر من مدينة، بالقدس, أمام منزل رئيس الدولة هيرتسوغ الذي أبدى تفهما لمطالبهم و للحاجة إلى إنهاء النزاع الداخلي، باعتباره يمزق مجتمعهم و يحدث أزمة دستورية واعدا ببذل الجهد لمعالجتها، و في حيفا حاملين شعارات التحذير من الانقلاب على الديمقراطية، أما في تل أبيب فشعاراتهم تمحورت حول العبث الحكومي في الجهاز القضائي و على قضايا الفساد المرفوعة و المنظورة في المحاكم ضد نتنياهو، و منددين بما يرونه فاشية بعض وزراء الحكومة، المدعية العامة للدولة شاركت بالتحريض على التظاهر و هي ترى أن هنالك تضارب في المصالح حيث أن نتياهو يمثل أمام القضاء بقضايا فساد فكيف يصبح هو ادن حين يصبح فوق القضاء, محافظ بنك (إسرائيل) المركزي حذر يدوره من التطاول على السلطة القضائية و اكد أن ذلك سوف يجعل من الاقتصاد الإسرائيلي اقتصادا طاردا للاستثمار, فيما اجتمع المدراء التنفيذيون للبنوك الكبرى بوزير المالية لذات الغرض و لإيصال ذات الرسالة,  هذا و يلاحظ أن المتظاهرين لم يبدوا اهتماما يذكر تجاه قضايا الضفة الغربية و ملفاتها العالقة، شارك في التظاهر بعض من بطاركة السياسة منهم رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك و وزيرة الخارجية السابقة تسفني ليفني و وزير الدفاع المرتحل مؤخرا بيني غانتس.

في نظرة من الجانب المقابل أي جانبنا نحن، هل علينا أن نشعر بالابتهاج لذلك الخلاف باعتباره بداية النهاية لدولة الاحتلال، وأن الله قد كفانا شر قتالهم بأيدينا؟ بالطبع دولة الاحتلال إلى زوال في نهاية المطاف، ولكن هذه الأحداث و الصراعات لا تكشف عن ضعفهما بقدر ما تعبر عن حيوية المجتمع لديها، هذا المجتمع الذي نتمنى زواله إن داهمه ربيعه فقد يطيل في عمره، لكن علينا أن نشعر بالغيرة و الإعجاب معا من هذا العدو الذي تبدي معارضته و مجتمعه هذا القدر من الحيوية ضد من يريد أن يضعهم في خانة الاستبداد الشرقي، حيث تصبح السلطة القضائية ألعوبة في يد السلطة التنفيذية و أجهزة الأمن، و كما حصل منذ فترة في رام الله, عندما قبل رئيس مجلس قضاء أعلى و الذي يحتل موقع رئيس المحكمة الدستورية على أن يوقع على كتاب استقالته غير المؤرخ قبل أن يتسلم منصبه، هذا الكتاب الذي احتفظت به السلطة التنفيذية وأرخته عندما قررت أن يغادر القاضي موقعه.