• 29 آذار 2023
  • أقلام مقدسية

 

بقلم :  عبد الله توفيق كنعان *   

يمثل شهر رمضان بما يحويه من مضامين روحية عظيمة محركاً ومحفزاً للعقول كي تجول في أعماق وسرائر هذا الشهر الفضيل والذي ناقشه مؤلفو حضارتنا الاسلامية بالعديد من المؤلفات والمقالات، تحت عناوين مختلفة، للوقف على فضائله واحكامه،وقد اجتهدت الاجيال المعاصرة من المفكرين والدارسين في استنباط القيم والدروس والعبر من هذا الشهر الكريم .

وقد خص صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال شهر رمضان بمقال عميق جامع، بعنوان (رمضان واستحضار الهوية الروحية للأمة)، ويحتاج هذا المقال للكثير من الوقفات، بقصد وعي ما جاء فيه من مضامين فكرية تجاوز الكتابة التقليدية الراصدة، لتصل مستوى الكتابة الفاحصة الاستدلالية المُلهمة، وأعتقد أن سموه قصد بها الإجابة عن سؤال يجول في أذهان الكثير من المعنين بالفكر الإسلامي وسُبل مواجهة تحدياتنا المعاصرة، وهو سؤال: كيف يكون رمضان مدخل وحدة ونهضة أمتنا؟ أي كيف تصبح فريضة الصيام وأخلاقيات وسلوكيات الصائم، نشاطاً خلاقاً يساهم في بناء المجتمع وخدمة ورعاية جميع فئاته، مع الأخذ بعين الاعتبار إستراتيجية بناء العلاقات مع الغير على أساس احترام الكرامة الإنسانية وحقوقها.

جاء المقال مرتكزاً على مصطلحات جوهرية تعالج العلاقة الثنائية الوثيقة بين فريضة الصوم ومعاملاته، لتكشف عن متانتها من جهة وميزاتها وتأثيراتها من جهة أخرى، مثل الانتظام والتكافل والتضامن والعدالة والمحبة والتسامح والتعاون وضبط السلوك الانساني، وهذا النسق من شأنه أن يتعدى الجوارح لتفيض به القلوب والضمائر وتتطهر به النفوس، ليشكل كما أشار سموه الصيام مع الفرائض والأركان الإيمانية الأخرى مناخاً أوسع يعين الأمة ويرشدها للخير، وفي هذا السياق أقتبس من كلام سموه العلاقة الروحية بين الصيام والزكاة حيث يقول سموه: (( تتكامل أركان الإسلام لتشكل منظومة متسقة ذات غاية واحدة، وهنا تبرز العلاقة بين الصيام والزكاة، فطهارة النفس والارتقاء بها فوق رغباتها الحسية يُخرج الإنسان من ضيق الفردانية إلى سعة النحنوية ومن شُحِّ النفس إلى كرم البذل والعطاء )).

وبلا شك أن مدرسة الحسن الفكرية الثرية بمفاهيمها الإنسانية، الساعية للعناية بالإنسان لجوهره بغض النظر عن أفكاره ومعتقداته، كانت من الركائز والروافع التي بني عليها هذا المقال، بمعنى أن منطلقات سموه الأصيلة والمتكررة في الكثير من المناسبات والمحافل الدولية والمعنية بالحقوق والأمن الإنساني والتنمية والخيرية والغيرية الفعالة، ومبادرة صندوق الزكاة العالمي وحوار الأديان، جميعها كانت من مفاتيح صياغة هذا المقال، الذي يمكن للقارئ أن يعيه في إطار مراجعته لغيره من مقالات ومؤلفات وأحاديث سموه وهي كثيرة لا يتسع المجال هنا لذكرها، والتي جاءت كحصيلة تراكمية لخبرة وحكمة ورؤية ثاقبة صقلتها عقود من الزمن، ولهذا السبب يمكن القول إننا أمام منظومة وإستراتيجية فكرية يمكن الانطلاق منها والبناء عليها في مشروع نهضتنا وتقدمنا، وهذه دعوة مفتوحة للمفكرين للاهتداء بها، بوصف تجربة سموه أصيلة في جذورها ونبيلة في غايتها وأهدافها.

وهنا أجد أن ما أريد الإشارة إليه في هذا الاستعراض السريع لمقال سموه هذا، هو أن مقال سموه خرج في نمطيته من التوضيح العابر المثقل عند البعض أحياناً بكثرة التفسيرات إلى توضيح واعتناء هادف يستطيع من خلاله القارئ أن يستشعر روحانيات ومضامين رمضانية غائبة عن ذهنه، لتزيد لديه الثقة المطلقة بأن تراثنا وحضارتنا ما تزال تحمل أسباب وعوامل نهضتنا، إذا عرفنا كيف نعيد قراءتها بفهم عصري، يعيننا ويفيدنا في مسيرتنا الحياتية التي نأمل أن توفر للأجيال ما تصبو إليه من العيش الكريم والأمن والسلام.

فإلى سموه حفظه الله كل التقدير والاعتزاز، والدعاء إلى الله تعالى أن يبارك له ولأسرته وللأردن شعباً وقيادة هاشمية شهر رمضان المبارك، وأن ينعم عليه تعالى بدوام الصحة والعافية والفكر والعطاء.

*أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

عن جريدة الغد الاردنية