- 16 نيسان 2023
- أقلام مقدسية
بقلم : الشيخ مازن اهرام
في أنحاء المعمورة يصوم مسلمو العالم شهر رمضان المبارك تلبية لأداء ركن عظيم من شعائر أركان الدين الإسلامي طاعة لله سبحانه بخشوع وطمأنينة، وأمن وأمان ’ وتبقى الصورة في بيت المقدس في خطر داهم يحيق بالمسجد الأقصى المبارك ’ ترعاه شذاذ الأفاق يُمعنُون فساداً في مسرى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، والذي انتهجه منذ بداية احتلاله لمدينة القدس وفلسطين، وقد وصلت بهم الوقاحة والصلف أن يعتدوا على المصلين أثناء تأدية صلواتهم في محراب الأقصى ’ ويُبعدوا أهله تحت بطش القوة ونير السلاح والعربدة دون مراعاة لحرمة المكان وقدسية الزمان بتعزيزات غير مسبوقة عند البوابات المؤدية إلى المسجد الأقصى
لا لشيء إلا لمجرد أنهم قائمون عابدون مرابطون راكعون ساجدون ’ يقومون بواجبهم تجاه مسجدهم من الرباط والسدانة والحراسة والصيانة والتعمير
في هذه الأيام ما زالت تتوالى الاعتداءات على أرض الإسراء، وأهلها تبذل الأرواح رخيصةً في سبيل الله، يقفون وقفة رجلٍ واحد في وجه استباحة الحرمات، وانتهاك المقدسات، وتُرفع آهات الثكالى، وصرخاتُ الأيامى، ما أظن أيها العالم إلا وقد انتهت إلى مسامعكم هذه اللوعات والصيحات، فوقعت في آذانكم؛ بل وفي قلوبكم موضعها،
المسجد الأقصى دمعةٌ في عين كل مسلم، المسجد الأقصى طعنةٌ في قلب كل مؤمن، المسجد الأقصى قِبلةُ، كل مسلمٍ على وجه الأرض؛ لأنّ فلسطين إسلامية النسب، وليست عربيةً فحسب، لذلك كان صلاح الدين فاتح القدس من الأكراد، والسلطان عبد الحميد ناصر فلسطين من الأتراك الأجواد، وبعض العرب أيام الصليبيّن باعوها في سوق المزاد
وما شهده العالم بأسره ما حدث في شهر رمضان المبارك وعلى مدار الأعوام وما زالت قطعان مستوطنيهم وتحت حراب عساكرهم تقتحم القبلة الأولى على مرأى من العالم ومسمعه، يدنسون ساحاته ومصاطبه ومعالمه في محاولات يائسة ومجرمة لتثبيت أساطيرهم المكذوبة في المسجد الأقصى ،وما أكثر تلك الأساطير’ وسعيا نحو تقسيمه وإقامة هيكلهم المزعوم كما يزعمون , وعلى ثراه الطاهر لا يزال أبناء القدس وأهلها يدافعون عن ثرى مسجدهم بكل ما يملكون من مقومات الرباط والثبات، في ساحات الأقصى وأزقة القدس وأحيائها وربى فلسطين الغالية ,فلا بد من انكشاف الغمّة وسيبزغ إن شاء الله تعالى فجر مضيء ليوم جديد وسيعود للأقصى بهاؤه وشموخه، وستكون القدس الشريف مهوى أفئدة وقلوب المؤمنين ,ومهبط الأنبياء وعُش الأولياء
للقدس مكانتها وقدسيتها عند العرب والمسلمين، فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وقد أسرى الله تعالى بنبيه الكريم محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومن صخرتها المشرفة عُرج بالنبي الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلى السماوات العلى، وفيها مهد السيد المسيح، وكنيسة القيامة، وإليها يحج المسيحيون. وقال رسولكم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
لا تَزالُ طائفةٌ مِن أُمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ لعَدوِّهم قاهرينَ، لا يَضُرُّهم مَن خالَفَهم، إلَّا ما أصابَهم مِن لَأواءَ حتى يَأتيَهم أمْرُ اللهِ وهم كذلك، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وأين هم؟ قال: ببَيتِ المَقدِسِ وأكنافِ بَيتِ المَقدِسِ.
مررت بالمسجد المحزون أسأله هل في المصلّى أو المحراب مروان
تبدل المسجد المحزون واختلفـت على المنابــر أحـرارٌ وعبـدان
فـلا الأذان أذانٌ في منارتـه إذا تعالــــى ولا الأذان أذان
ومع نهاية شهر رمضان يشعر الناس بالأسى والحزن على فراق رمضان، الذي يعتبر من أهم الشهور التي أكرم الله بها على عبادة المسلمين كافةً، وقبل أن نقول وداعاً رمضان، لا بُدْ من همسة عتاب وتذكرة هل سيعود الغبار على المصاحف؟ هل سيبكي المسجد الأقصى على فراق المصلين؟ هل ستعود حياتنا كما كانت؟ أم أنّ رمضان كان سبباً في التغيير
(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
لقد سارعت تلك الأيَّام المَعدودة في الرّحيل، إلّا أن رحمة الله باقية ولا تَرحل، وهذا هو الأمل بالله تعالى، الذي لنا فيه ظنون لا تَخيب، ها هو رمضان يلملم حقائبه ويتهيَّأ للرحيل، كان ضيفاً يؤلِّف بين القلوب ويهذِّب النفوس. أيام قليلة وتنتهي على أبواب نهاية شهر رمضان بما فيه من الخيرات، أتمنى أن تكون قد حصدت فيه الكثير من الخير وغفران الذنوب والعتق من النار. روحانية التراويح، ونقاء النفوس، ومائدة الإفطار، وحديث السمر، يا الله ما أسرع رمضان!
والأمر الآخر من باب التذكرة صلة الرحم هي:
أن يوصِّل الإنسان كل خير يستطيعه ويمكنه لذوي رحمه، فالصلة ضد القطع، والرحم هو كل من اجتمعت معهم بولادة قريبة أو بعيدة، والرحم درجات ومراتب وليست على مرتبة واحدة، وأنها من الحقوق التي جعلها الله تعالى بين الخلق أن يصلوا أرحامهم، وأن يوطدوا الصلة بين قرابتهم؛ وذلك أن العلاقات الاجتماعية تبدأ في الأصل بين اثنين ثم تمتد، بدأت بين آدم وزوجه فجعلها سكنًا له، ومنهما بث رجالًا كثيرًا ونساء، منها انبثقت هذه البشرية على اختلاف أجناسها. وبالتالي نحن بحاجة إلى أن نعرف أن صلة الرحم هي النواة الأساسية لإقامة الحقوق بين الخلق، ولهذا جاء التأكيد بالنصوص وجاء التأكيد في الشريعة على صلة الرحم وبيان عظيم منزلتها ورفيع مكانتها، فصلة الأرحام هي أداء الحقوق المفروضة التي فرضها الله تعالى على ذوي الرحم وبعض الفرائض، ما زاد على ذلك من أوجه الإحسان التي ندب إليها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهذا الحق ليس حادثًا ولا طارئًا في التشريع، بل هو قديم، فإن النبي –صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- أخبر بما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال:
«إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ حتّى إذا فَرَغَ منهمْ قامَتِ الرَّحِمُ، فقالَتْ: هذا مَقامُ العائِذِ مِنَ القَطِيعَةِ، قالَ: نَعَمْ، أما تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَن وصَلَكِ، وأَقْطَعَ مَن قَطَعَكِ؟ قالَتْ: بَلى، قالَ: فَذاكِ لَكِ»
الحمدلله الذي أعاننا على صيامه وقيامه، اللهم اجعلنا من المغفورين لهم والمعتوقين من النار تقبله منا يا رب العالمين. اللهم اختم لنا شهر رمضان برضوانك، والعتق من نيرانك، واجعله شاهداً لنا لا علينا، وأعده علينا أعواماً عديدة وأزمنة مديدة.
المصادر
لا تَزالُ طائفةٌ مِن أُمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ لعَدوِّهم قاهرينَ، لا يَضُرُّهم مَن خالَفَهم، إلَّا ما أصابَهم مِن لَأواءَ حتى يَأتيَهم أمْرُ اللهِ وهم كذلك، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وأين هم؟ قال: ببَيتِ المَقدِسِ وأكنافِ بَيتِ المَقدِسِ. الراوي أبو أمامة الباهلي | المحدث شعيب الأرناؤوط المصدر تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 22320 | خلاصة حكم المحدث صحيح لغيره دون قوله: "قالوا: يا رسول الله، وأين هم ... إلخ"
(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11)
إنَّ اللهَ تعالى خَلق الخلقَ حتَّى إذا فرغَ مِن خلْقِه قامتِ الرَّحِمُ، فقال مَهْ؟ قالَت هذا مَقامُ العائذِ بكَ من القَطيعةِ، قال: نَعم، أمَا ترضَيْنَ أن أصلَ من وصلَكِ، وأقطعَ مَن قطعَكِ؟ قالَت؟ بلَى يا ربِّ! قال فذلكَ لكِ. الراوي: أبو هريرة المصدر صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم 1761 | خلاصة حكم المحدث: صحيح
الشاعر أحمد شوقي
إصدارات هيئة أشراف بيت المقدس

