- 9 أيلول 2013
- أقلام مقدسية
لم تكُن مدة عام من الخدمة كوزير للصحة في الحكومة السابقة بالفترة الطويلة، لكنها لا شكّ أتاحت لي إلى جانب خبرتي العملية في هذا القطاع على مدى ثلاثة عقود من العمر؛ فرصة الاطلاع عن كثب على مستوى الخدمات في المشافي والمراكز الطبية، والاحتياجات المتزايدة نتيجة التزايد الطبيعي لعدد السكان. والكل يعلم أن قطاع الصحة يواجه تحديات كبيرة، تقف عائقاً في أحيان كثيرة أمام تلبية كافة الاحتياجات الطبية. وبحكم عملي كوزير للصحة في الحكومة السابقة، فقد رأيت أنه من الضروري البحث بعُمق أكثر في بعض القصور هنا أو هناك، خاصة مع وجود عجزٍ مالي هائل، حيث بلغت مديونية الوزارة حين استلمت مهامي عام 2012 حوالي 650 مليون شيكل، معظمها لصالح المشافي الأردنية والمستشفيات الخاصة في فلسطين بالإضافة إلى موردي الأدوية والمستلزمات الطبية، علماً أنّ ميزانية وزارة الصحة لعام 2012 بلغت حوالي مليار وثلاثمائة مليون شيكل، بحيث يُصرف منها 50% على الرواتب، ويُصرف ما يتبقى منها 47% (لصالح الموازنة التشغيلية) على شراء الأدوية والمستهلكات الفنية، و37% منها تُصرف على تحويلات المرضى إلى المستشفيات الخاصة وخارج الوطن. وبعبارة أخرى كانت وزارة الصحة تُنفق 120 مليون دولار سنوياً على تحويلات المرضى للقطاع الاستشفائي غير الحكومي. وإن كان هناك قصور في الكوادر أو في المعدات، فإن علينا أن نوجد الحلول حتى نضمن أن يحصل المواطن الفلسطيني على الخدمة الطبية المناسبة، لذا يجب أن نراجع السياسات، وأن نضع رؤية استراتيجية لإدارة النظام الصحي، فنحن بحاجة إلى تدريب الكوادر والكفاءات، وإسناد الرعاية الصحية الأولية والعيادات المجتمعية، والذي أعتبره أحد أهم الحلول المُمكنة، حيث أنّ خلق وتعزيز نظام الرعاية الأسرية في مختلف المناطق وخاصة تلك البعيدة عن المدن سيخفف من الضعط على المشافي، والتي قد لا تستطيع أن تخدم أعداد المراجعين المتزايدة. ومن بعض أوجه القصور في النظام الصحي الفلسطيني هو سوء توزيع المرافق الصحية، وعدم الوضوح في رسم السياسات اللازمة في كل محافظة بشكل مدروس وبرؤية ممنهجة، وكذلك عدم وجود دراسات علمية تُبنى عليها الرؤى المستقبلية والاستراتيجية. إن المخالطة المباشرة للنظام الصحي وللمراجعين من المرضى، يدعونا جميعا إلى ضرورة الإسراع والعمل في تصحيح بعض السياسات، وخلق حلول سريعة مُمكنة لتخفيف العبء على المشافي وتلبية احتياجات المواطن في آنٍ واحد، وذلك مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن تدريب الكوادر وتطويرها هو أمر ذو أولوية تفوق إعادة البناء والترميم وشراء المعدات والأجهزة الطبية، أو على الأقل تساويها في مقدار الأهمية، لكن ما كان يجري إلى وقت قريب تمثّل في إعادة تأهيل بعض المشافي والمراكز الطبية وشراء أجهزة طبية حديثة دون الالتفات إلى ضرورة تأهيل الطواقم البشرية وتوظيف الكفاءات ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، والابتعاد عن النمطية الإدارية التي تحد من ظهور كفاءات جديدة يافعة لتطوير نفسها حسب النظم الإدارية الحديثة.
ملف التحويلات كذلك يفتقر لوجود سياسات ومعايير محدّدة، ولا نُنكر أنّ فقدان ثقة المواطن بمستشفياتنا الحكومية قد يكون نتيجة لنقص الكوادر الطبية والتمريضية المتخصصة أحياناً أو نقص المُستلزمات الطبية في أحيان أخرى، بالإضافة إلى تردّي مستوى الخدمة في عدد من المشافي، أو لحدوث بعض الأخطاء الطبية، فكل ما ذُكر هو أسباب تدفع بالمريض إلى التخوّف من تلقي العلاج في مشافينا الحكومية وطلب التحويل لمشافي خارجية أو خاصة، على الرغم من توفر الكثير من الخدمات والمعدات الحديثة. وما يزيد الطين بلّة هو وجود بعض المنتفعين الذين استغلوا حاجة المرضى وتولوا مهام التحويل بالتنسيق مع نظرائهم في الجانب الإسرائيلي لقاء الحصول على عمولةٍ ما، نعم للأسف هذا ما تكشّف لي في رحلة البحث القصيرة تلك. كذلك الحال شبيه فيما يتعلق بملف الأدوية والمستلزمات الطبية، فالأمر برمته بحاجة إلى مراجعة صادقة ومتعمّقة في كافة التفاصيل والإجراءات والسياسات المتبعة، وبما يشمل كفاءة ومهنية القائمين على هذه الدوائر الحساسة في وزارة الصحة. أما المستشفيات الحكومية، فلا يخفى على المسؤولين والقائمين على هذا القطاع أنها تُعاني من نقص حادّ في عدد من الاختصاصات سواء الطبية أو الجراحية، وكذلك المعرفة العلمية المتخصّصة في إدارة المراكز الطبية، بالإضافة إلى نقص في الأجهزة والمعدات الطبية الحديثة، وافتقار الكثير من المناطق البعيدة عن مراكز المدن إلى الخدمات الطبية، هذا بدوره يؤثر على جودة الخدمة المقدمة، ويقلل من مستوى رضا المرضى والمراجعين عن الرعاية التي يحصلون عليها، ما يؤدي إلى زعزعة ثقة المواطن بالمشافي الحكومية. ومن هذا المنطلق اتجهت وزارة الصحة في العام الماضي إلى توظيف أطباء اختصاصيين وفق مبدأ العقود الخاصة، والتي وصل عددها مع نهاية عام 2012 وبداية عام 2013 حوالي 15 طبيباً حسب ما تتحمله الموازنة العامة لوزارة الصحة. كما قامت الوزارة خلال العام المنصرم بافتتاح العديد من العيادات والمديريات الطبية خاصة في جنين، جنوب الخليل، نابلس، طولكرم، الأغوار، وعيادات أخرى في المناطق المصنفة (ج). ووفّرت عيادات متنقلة بغرض الكشف والفحص والعلاج في المناطق التي يصعب البناء فيها، وذلك في إطار محاولة الوصول إلى مختلف المناطق التي تفتقر إلى الخدمة الطبية. وركزت الوزارة اهتمامها على دعم وتطوير الرعاية الصحية الأولية باعتبارها الركيزة الأساسية في القطاع الصحي، وتشجيع طب الأسرة والمجتمع بحيث يكون لكل مواطن مرجعية طبية مستدامة، عبر إيجاد مراكز طب مجتمعية لكل 40 ألف نسمة، وذلك من أجل تخفيف الضغط على المستشفيات وخاصة أقسام الطوارىء والتي عادة ما تكتظ بالمراجعين وقد لا تلبي حاجات المواطن الأساسية، إلا أن مثل هذه الخطوات تحتاج إلى وضع خطط واستراتيجيات طويلة الأمد من أجل التخفيف من الضغط على المشافي الرئيسية، وتوفير الخدمات الطبية في المناطق البعيدة عن المدن. كما تم التركيز على رفد القطاع الصحي بالكفاءات الطبية، وذلك عبر تدعيم المجلس الطبي الفلسطيني وإرساء الأسس العلمية للتدريب في برامج الإقامة في التخصصات المختلفة. وحيث أن القطاع الطبي يعاني من نقص في تخصصات رئيسية مثل طب الأسرة وطب الطوارئ والجراحات المتخصصة المحلية، فقد تمّ التوقيع على اتفاقيات مع عدد من وزارات الصحة في العالم العربي والدول الأوروبية لتدريب طواقم طبية في التخصّصات التي يفتقر إليها القطاع الصحي الفلسطيني. وفي سياق تنفيذ مشاريع تطويرية من شأنها تحسين القطاع الصحي؛ قمت بافتتاح مركزٍ للأمراض السارية بتمويل من الحكومة النمساوية بمبلغ 3 مليون دولار، حيث يختص المركز بوضع الخطط والسياسات والاستراتيجيات في هذا المجال المهم، والذي يستنزف 60% من ميزانية الوزارة من تشخيص وفحص وعلاج المرضى الذين يعانون من أمراض السكري والضغط العالي وأمراض الجهاز التنفسي وأمراض الشرايين والقلب وأمراض السرطان. أيضاً وقّعت الوزارة اتفاقيات توأمة وتعاون مع دول قطعت شوطاً كبيراً لتطوير الخدمات الطبية، مثل اتفاقية توأمة لتدريب طواقم مكافحة الادمان والمخدرات مع حكومة إمارة أبوظبي في دولة الإمارات العربية، وتوقيع اتفاقية مع سلطنة عُمان لتدريب كوادر بشرية خاصة في مجال طب الأسرة والتمريض في التخصصات النادر، واتفاقية أخرى مع الحكومة الفنزويلية لبناء مستشفى عيون، واتفاقية تعاون مع منظمة الصحة العالمية لعمل مرصد الكوادر البشرية والهادف إلى استشراف حاجة القطاع الصحي افلسطيني للكوادر البشرية من أطباء وطواقم التمريض والخدمات المساندة للسنوات الخمس القادمة، وغيرها الكثير من الاتفاقيات لتدريب الكوادر وإجراء البحوث والدراسات العلمية بهدف تطوير هذا القطاع. كذلك قدّمت وزارة الصحة العديد من مشاريع تطوير السياسات العامة من أجل المصادقة عليها مثل نظام التأمين الصحي، نظام الحوافز للأطباء بعد مناقشته مع النقابات المختلفة والتي كانت قد أبدت موافقتها المبدئية، نظام المخدرات والتعامل مع المرضى، أنظمة وتعليمات خاصة بإجازة وترخيص المراكز الصحية المختلفة، مراجعة لائحة أسعار التدخلات الطبية والجراحية في المستشفيات داخل الوطن وخارجه للحالات المحوّلة. كما قامت الوزارة بوضع دليل تفصيلي حول التحويلات إلى خارج القطاع الحكومي، وإعداد دليل استخدام المضادات الحيوية، وإنشاء اللجنة الطبية للدواء ومن ضمنها لجنة تسعيرة الأدوية، كذلك عكفت الوزارة على إعداد دليل توضيحي حول الأخطاء الطبية مع قانون عقوبات لتقديمه أمام مجلس الوزراء. إن هذه الجهود وغيرها والتي لا نقلّل من أهميتها، هي لا شك ستُسهم في تطوّر القطاع الصحي، إلا أنّ المواطن لن يلمس أي تغيير إيجابي في الخدمات إذا لم تواكب هذه الإنجازات إصلاحات شاملة في الهيكلية ووضع سياسات تطويرية لضمان الكفاءة والفعالية في الأداء، وذلك بالتوازي مع تطوير البنية التحتية، وافتتاح المزيد من العيادات المجتمعية ومراكز الرعاية الأولية، ولن تكتمل المعادلة دون الالتفات إلى خطة تطويرية شاملة، بحيث تشمل كافة المناطق دون التركيز على المدن الرئيسية على حساب القرى والمناطق المهمشة. إن قطاعنا الصحي يواجه معضلةً كبيرة، لاسيّما دون تخصيص موازنة كفيلة بإحداث التطوّر الحقيقي، ودون اتخاذ القرارات والخطوات التي تستند إلى استراتيجية ومنهجية واضحة ذات رؤية بعيدة المدى، خاصة أنّ بعض القرارات لا تزال تنتظر المصادقة عليها من أجل تنفيذها على الأرض. لذا يجب البدء فوراً في تنفيذ الإصلاحات على أساس مدروس، ومع التنبّه إلى ضرورة الاستجابة لتزايد احتياجات المجتمع الفلسطيني للخدمات الصحية، ومن أجل تحقيق النهضة المنشودة لهذا القطاع.
· عميد كلية الطب البشري في جامعة القدس ووزير الصحة السابق
عن صحيفة القدس

