- 4 حزيران 2023
- أقلام مقدسية
بقلم : عزام توفيق أبو السعود
1
تسعة وثلاثون يوما!
بلغت صباح هذا اليوم من العمر خمسة وسبعين عاما، أي ثلاثة أرباع قرن من الزمن.. ولعلها لحظات يمكن أن أكتب فيها متوقفا عند بعض الأحداث قبل أن تنمحي من الذاكرة .. وإن كنت سأبدأها من ذاكرة والدي ووالدتي وأشقائي وشقيقاتي، في لحظات لا بد أن تدون وتذكر.
فشهادة ميلادي تشير إلى أنني ولدت في القدس كما يعرف معظم الناس عني، لكن الحقيقة أنني ولدت في مدينة اللد، حيث كان والدي مديرا لمدرسة اللد الثانوية. أبت والدتي أن تغادر مدينة اللد إلى القدس لسببين، أولهما أن عليها أن تبقى في مدينة اللد حيث كان زوجها إضافة لعمله كمدير للمدرسة، فإنه كان سكرتيرا للجنة القومية في اللد. وهي اللجنة التي كانت مهمتها الدفاع عن اللد. أما السبب الثاني فكان أن البلاد في حرب، والطرق غير آمنة لتغادر اللد إلى القدس هي وبقية أبنائها. وليلة الولادة كانت صعبة من حيث أنها تمت وصط أزيز الرصاص، وأصوات المدفعية، كان والدي موجودا في مبنى البلدية يتابع ترتيبات الدفاع عن اللد، ويهتم بالتنسيق بين القوى المتواجدة في اللد ليكون عملهم موحدا ومنسقا ومرتبا وموزعا حسب المناطق المختلفة ، أقول القوى الفلسطينية والعربية المتواجدة في اللد، من مقاتلين متطوعين ومن رجال الجهاد المقدس ورجال الشيخ حسن سلامة الذي استشهد قبل بضعة أيام، ومن الشرطة والجيش الأردني والعراقي ، كذلك كان يهتم بأسر المقاتلين وتأمين المواد الغذائية لهم. ولذا تم إرسال شقيقتي المرحومة فاطمة إلى بيت " الداية" لتحضرها كي تساعد والدتي في الولادة. ومع فجر الرابع من حزيران عام 1948، وُلِدتُ في بيتنا المستأجر من رئيس البلدية آنذاك " العلمي" الذي يسكن الطابق الأرضي وعائلتنا في الطابق الأول.
تسع وثلاثون يوما قضيتها في اللد، بين يوم مولدي 4/6/48، ويوم سقوط اللد وتهجير أهلها .. ونحن منهم، في هذا اليوم الرمضاني الحار 13/7/1948 ، حيث تم تجميع الناس من قبل قوات ييجال ألون قائد المنطقة، يساعدة اسحق رابين وموشيه دايان .. اللذين شكلوا ثلاثتهم أبطال مجزرة اللد، التي قتل فيها أكثر من خمسمائة رجل مدني ، بعضهم احتمى داخل جامع دهمش، فذبحهم عن الجنود الاسرائيليون جميعا داخل المسجد، وكان عددهم يزيد عن المائة وستين رجلا وامرأة وطفلا.
كانت الهجرة يوم 13/7 /1948. يوم لم تنسه الأسرة أبدا .. حر وعطش وأزيز رصاص للجنود الاسرائيليين فوق رؤوس ستين ألفا أو أكثر من أهالي اللد، وأهالي يافا الذين احتموا باللد، والحديث عنها يطول، لكن أغرب ما فيها، أن الصهاينة غنموا دبابة أردنية كانت قد انقلبت رأسا على عقب، فوجدها اليهود صالحة وشغلوها، وجعلوها في مقدمة قواتهم التي دخلت اللد وخلفها سيارات الجيب ذوات الرشاشات والتي يقودها موشيه ديان .
وصلت عائلتنا إلى نعلين، وكانت الأخبار قد وصلت بسقوط اللد، فخرج خالي الذي كان يعمل مع الصليب الأحمر يبحث عن عائلة أخته ( أمي) فوجدنا في قرية نعلين، فحملنا إلى رام الله ومنها عدنا إلى بيت جدي، الذي كان يسكنه عمي الشيخ حسن أبو السعود، أحد الزعماء الفلسطينيين، والذي أبعده الانجليز إلى جزيرة سيشل، في نهاية الحرب العالمية الثانية، ومنعوه من العودة إلى فلسطين، والذي أصبح فيما بعد رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني ومقره غزة في نهاية عام 1948 .
ولعلنا كنا أحسن حالا من معظم اللاجئين الفلسطينيين، فقد عدنا إلى بيتنا داخل الحرم القدسي الشريف، إلى بيتنا في زاوية أبو السعود ( الزاوية الفخرية) في الزاوية الجنوبية الغربية للمسجد الإقصى .. ولذلك لم يتقدم والدي للحصول على بطاقة لاجىء ..( كرت مؤن وكالة الغوث) باعتبار بيته الأصيل في القدس، ونظرا لضياع جميع شهادات ميلادي أنا وإخوتي وأخواتي فقد استخرج لنا والدي فيما بعد شهادات ميلاد، ووضع مكان الولادة: القدس.
أنا أصغر أبناء أبي وأمي .. كنا أربعة ذكور، سفيان ومنذر وأسامه وأنا.. وأربع إناث، نبال وفاطمة وجهاد وعنان .. وقد عشت حسرة فقدان الأب والأم وثلاثة من ألأشقاء وشقيقتين. جميعهم رحلوا عن هذا العالم وتركوا في القلب لوعة وألم الفراق وذكريات سأحاول تدوينها ربما في كتاب سيكون ما كتبته أعلاه مقدمة له..
بيت الطفولة، بيت الزاوية ، قامت اسرائيل بهدمه عام 1968، بعد بضعة أشهر من حرب عام 1967، كان مجمعا مملوكيا في طوابقه العليا، وبيزنطيا او رومانيا أو حتى كنعانيا في طوابقه السفلى . كانت تسكن فيه أربعة عشر أسرة من عائلتنا.. هدموه معتقدين أنهم سيجدوا الهيكل أسفله.. لم يجدوا إلا آثارا ليس لبني إسرائيل أي صلة بها.. جرافاتهم هدمت بيوت العائلة .. ولكنها لم ولن تمحي ذكرياتنا فيها .

